لم نتصور أن قضية أفغانستان سوف تصبح القضية الأولى في الإعلام الدولي ومن ثم العربي لأكثر من عشر سنوات، عقد الثمانينات كله وذلك بعد دخولها كقضية في صراع تنافسي بين الكتلتين وأحد الموضوعات الرئيسية للحرب الباردة بينهما أو بالأحرى واحدة من أهم الحروب بالوكالة، وهي الحروب التي شاعت على مسرح العلاقات الدولية فيما بعد الحرب العالمية الثانية وظهور السلاح النووي الذي جعل الحرب المباشرة بين الدول الكبرى أمرا صعبا للغاية بل قالوا أنه مستحيل ولا أظنه كذلك.
لقد كان المجهود الإعلامي المناصر للقضية الأفغانية مجهودا غير عادي، ولم تظفر به أية قضية إسلامية قبلا. ولكنه ظل إجمالا يخدم المصالح الأمريكية في القضية أكثر من خدمة العمل الإسلامي. وكانت مصطلحات الإسلام والجهاد من أكثر المصطلحات التي إبتذلها الإعلام المساند للقضية الأفغانية، كما إبتذلها السياسيون الأفغان ومنظماتهم الجهادية التي كانت كمنظمات أبعد ما يمكن عن هذه الصفة.
في طريق العودة، وأمامنا عدة أيام من المسير الشاق، كنا ن عر أننا أكثر نشاطا وإنشراحا من يوم قدومنا كنا نراها رحلة ناجحة حققنا فيها أهدافا هامة. ولكن ذلك الأفغاني الشاب نغص علينا صفاءنا بينما نحن نشتري بعض البسكويت اليابس من أول دكان صادفناه في عودتنا بعد أكثر من يوم من المسير. وكان مولوي محمد سرور يرافقنا في العودة كمترجم وحارس ودليل. وكنا قد تركنا سلاحنا وقسما من ملابسنا النافعة وأدوية صديقنا المنياوي للمجاهدين.
ذلك الشاب الأفغاني عندما علم قصتنا أثناء تجاذبه أطراف الحديث مع مرافقنا، إنبرى غاضبا مستنكرا قدومنا للجهاد في أفغانستان بينما تركنا فلسطين بلا جهاد كان في كلامه منطق معقول وبه أيضا جهل بواقع الحال في فلسطين وما حولها من ممالك العرب حسب قول الأفغان.
ولكن وجهة نظره تلك وجدت طريقها إلى ساحة الجدال العربية بين التيار الإسلامي المؤيد للجهاد في أفغانستان، والتيارات الأخرى المعارضة ليس فقط لفكرة الجهاد بل لفكرة الإسلام نفسها. فالتيارات المعارضة، خاصة بعد تدويل القضية الأفغانية، ترى في حماس التيار الإسلامي وإنخراطه للعمل، وربما القتال في أفغانستان، دليلا جديدا علي قصر نظر التيار الإسلامي في أبسط الحالات أوعمالته للغرب ومعاداته للتقدمية، وهو الإتهام المحبب إلى نفوسهم. فكانوا دوما يعملون على ترويجه بتشجيع الكتلتين الإشتراكية والرأسمالية على حد سواء. وعندما سقط الإتحاد السوفييتي في أفغانستان إنضم العلمانيون
والتقدميون والإشتراكيون العرب إلى أعدائهم في المعسكر الرأسمالي للقتال تحت رايته ضد الإسلام الذي أسموه أصولية وضد الجهاد الذي أسموه إرهابا وتطرفا.
لقد أثبتت ذلك الجذور الواحدة للرأسمالية والإشتراكية والمنبع الواحد للتيارات الناجمة عنهما والتي تتفق جميعها في كراهية الإسلام ومحاربة أتباعه.