ولمدة عشر سنوات كان الجهاد والمجاهدون في أفغانستان هم حديث الساعة عالميًا. بدا لنا أن الفرصة سانحة وأن الراية التى رفعت في جبال أفغانستان ينبغى أن تظل خفاقة حتى النصر وأن تواصل المسير في الآفاق حتى تعود للمسلمين دولتهم وعزتهم.
هكذا كنا نحلم - وفي هذا الإتجاه حاولنا أن نعمل - أما النتائج فكانت شيئا آخرًا.
كانت هناك عدة فروق بين الحرب في أفغانستان والحروب التي شهدتها المنطقة العربية مع إسرائيل.
وهي فروق أدهشت الشعوب العربية وجعلت الإسلاميين فيها ينجذبون إليها. لقد قام الأفغان ضد حكومة شيوعية مدعومة بقوة عظمى ومع ذلك لم يستسلموا بل تصاعدت مقاومتهم.
رفع الأفغان شعار الجهاد فأجج ذلك مقاومتهم وأكسبهم تعاطف المسلمين في كل مكان.
ولما كان جيلنا قد أدرك متأخرا أن الحروب العربية الإسرائيلية إنما هي حروب من جانب واحد تواطأت فيها الحكومات العربية التي لا تتولى السلطة إلا بموافقة ومساعدة القوى الغربية وذلك لفرض الهزيمة على الشعوب العربية وتكريس سيادة إسرائيل على المنطقة.
لهذا صار لزاما على هذه الحكومات أيضا أن تعمل ضد الإسلام نفسه، وتعمل على إضعافه أوإقتلاعه من المنطقة حتى يسهل إستقرار وسيطرة اليهود عليها.
رغم صغر حجم إسرائيل وقلة سكانها من اليهود إلا أنها استطاعت أن تفرض إرادتها على دول المنطقة، وجيوشنا كانت سريعا ما تنهزم وتفر أمامهم في ميادين القتال وإذا قاتلت فلأيام معدودة يبدأ بعدها سيل من الإتفاقات وعهود السلام.
والشعوب ضعفت عقيدتها وانهارت معنوياتها وأصبحت تقبل بأي شيء في مقابل إستمرارها في حياتها المهينة.
ثم جاءت أفغانستان لتقدم صورة مناقضة تماما لتلك الصورة العربية الكئيبة. في أفغانستان شعب خشن ذو عزيمة وتصميم يقاتل لأجل الإسلام، ويتحمل أهوالا تعجز الجبال عن تحملها، والأعجب أنه يحقق إنتصارات ضد أقوى جيوش الأرض، الجيش السوفييتي.
إنه الصورة المناقضة لحالنا، والحلم الذي يراود المسلمين يتحقق أخيرا. لقد تخيلنا أن الأمل بدأ يتحقق، ومن أفغانستان سوف تخرج جيوش الفتح الإسلامي.
لهذا جئت إلى أفغانستان، وجاء غيري مئات وآلاف من الشباب، لتبدأ ملحمة العرب في أفغانستان، كواحدة من أغنى تجاربنا الإسلامية الحديثة. منذ تسلطت دول الغرب الإستعمارية على بلاد المسلمين، وهدفها الأول إضعاف الإسلام في نفوس الناس مع إستبعاده من الحياة العامة وعزله في المساجد والمدارس الدينية التي تسيطر عليها الحكومات الموالية للغرب.
وكانت تلك السياسة على أشد في البلاد العربية لكونها مهد الإسلام ومحضنه الطبيعي وقبلة المسلمين من غير العرب.