)ولكن زعماء بيشاور ما زالوا يسخرون مواردهم المالية الضخمة في تكريس هذا الإنفصام إرضاء لنوازع شخصية وأهداف غير إسلامية.
الموارد المالية المشار إليها كانت ضخمة بمعايير عام 1979 م وظروفه ولكنها لم تكن كذلك مقارنة بمرحلة تدويل الأزمة وزحف المليارات إلى خزائن قادة المنظمات.
أما الأهداف غير الإسلامية الواردة، فكانت تعني الأطماع الشخصية التي لا تبالي بمصالح المسلمين. ولم يكن في ذهني إطلاقا في ذلك الوقت تلك الصورة المرعبة التي وصفتها سابقا لضلوع تلك القيادات الأفغانية في مخططات الصليبية الدولية. وأنهم خدعة كبيرة تورط فيها المسلمون.
ويرجع ذلك لقلة خبرتنا في ذلك الوقت بأمثال تلك القضايا وأمثال هؤلاء الزعماء الذين لم نتصور وجودهم أصلا في الوسط الإسلامي الجهادي.
وقد ظهر لنا أثناء وبعد الحرب الأفغانية أن الوسط الإسلامي (الملتزم) و (الجهادي) هم أكثر الأوساط عرضة وإستهدافا لإختراقات القوى الكافرة وأجهزة تجسسها. ويزيد الطين بلة، السذاجة السياسية المفرطة لجمهور تلك الحركات الإسلامية، والعاطفية الشديدة التي تغمر أجواءه، بحيث يسهل على أي نصاب مبتدئ أن يهيج المشاعر ويسحب خلفة الألوف من الشباب إلى حيث الهاوية المجهزة بعناية بالإتفاق بينه وبين قوى التجسس الكافرة.
ليس ذلك دعوة لرفع الثقة وإنتشار التوجس والشكوك بين الإخوة، ولكنه دعوة لزيادة الوعي وإلى مزيد من الوضوح وروح محاسبة المسؤولين ومناقشتهم وليس الإنسياق الأعمى خلف كل ناعق. ودعوة إلى الإهتمام بالموضوع السياسي والتفقه فيه لأنه ملاك الحركة أي حركة والمسيطر عليها.
وخوض السياسة بلا علم بأصولها هو كمن يلقي بنفسه إلى البحرالهائج بغية أن يتعلم السباحة. أيضا ترك السياسة للقيادة تقرر فيها ما تشاء بدعوى أنها تعلم كل شيء، وأن ما لديها علم لا يتوفر لدى الأخرين، وأن خبرتها بالأمور لا يرقى إليها خبرة الأتباع من الشباب حديثي السن عديمي الخبرة، كل ذلك يؤدي إلى الهاوية وقد ثبت ذلك مرارا من تجارب المسلمين القريبة والبعيدة.
لا بد أن يشارك الجميع في الموضوع السياسي للحركة الإسلامية والجهادية ولا يترك ذلك للصفوة كي تحتكره كما إحتكر السحرة في القديم علوم الشعوذة حتى يسيطروا بها على جمهور الشعب فيقودوه كقطيع من الخراف لخدمة الفرعون.
إن السياسة هي فقه الواقع، وهو جزء مكمل وحيوي لفقه شرائع الدين.
وبدونهما معا لا تكتمل الذهنية الإسلامية، بل تظل عرجاء عاجزة مضللة يسهل خداعها وتسخيرها حتى لخدمة الكفار كما حدث معنا في أفغانستان والبوسنة وغيرها.
والذي حدث في أفغانستان كان مأساة. فقد شاهدنا عددا من الأفاقين عملاء الإستخبارات وقد تم تعيينهم من قبل تلك الأجهزة زعماء لأكبر حركة جهاد إسلامي في هذا القرن، هذأ أحد جوانب المهزلة الكبرى.