زرته يوما في بيته مهموما أسأله عن الجهاد وكيف السبيل إلى فلسطين أو لبنان، كانت الحرب الأهلية هناك قد بدأت وذبح الكثير من المسلمين، أو إرتريا وكانت أخبار تأتي من هناك عن مسلمين وجهاد.
كان رأيه أن المنظمات الفلسطينية تعتنق الشيوعية فلا يجوز القتال معها، وفي كل الأماكن الأخرى فإن الرايات عمية وملعون من يقاتل تحت راية عمية. ثم أن إصلاح حال المسلمين يبدأ بإصلاح الفرد المسلم والأسرة المسلمة وبالتالي سوف ينصلح المجتمع ويسود فيه قانون الإسلام ويومها نستطيع أن نجاهد اليهود وغيرهم. ولما كان الجهاد هو ذروة سنام الإسلام، فإن المجاهد لا بد أن يبلغ ذروة الكمال في تطبيق الإسلام من فرائض وسنن، وأن يطاع الله تمام الطاعة وتجتنب نواهيه تمام الإجتناب. وإلا فإن أي معصية سوف تؤدي إلى هزيمة، وأي زيغ في النية سوف يهوي بصاحبها في قاع جهنم رغما عما تكبده من مشقة حيث أن عمله قد أحبط.
جادلته بما أملك من حجة: إذا كان هؤلاء راياتهم شيوعية والآخرون
رايتهم عمية، فلماذا لا نتحرك ونضع لأنفسنا راية إسلامية؟. وإذا كان تحويل المجتمات يتم بطريقة ميكانيكية من الفرد إلى الأسرة إلى المجتمع إلى النظام الإسلامي، فلماذا لم يكن الأمر كذلك مع رسولنا) ص (ولماذا تكبد وأصحابه كل تلك المشاق والمعارك والدماء؟ إذن المسألة ليست تحويلا ميكانيكيا للمجتمع، بل مسألة صراع بالكلمة والسيف حتى يتم التغييرالمنشود.
أما عن المجاهد وكونه قمة شامخة في دنيا الإسلام فهذا يستحيل تقريبا على كل أو معظم المسلمين. وهذا يعني عمليا إيقاف الجهاد لأن الناس ليسوا في المستوى اللائق وعليهم قضاء فترات أطول قد لا تتسع لها أعمارهم المحدودة للوصول إلى تلك المستويات السامقة التي قد لا يبلغها غير الأنبياء والصديقين. وهذا يعني في واقع الأمر إيقاف الجهاد أو إلغائه، وترك الأمة فريسة لأعدائها. إن هذا المنطق فيه تحايل على إلغاء تلك الفريضة، فبينما يعترف بها ويبجلها نظريا، يضع الشروط الكفيلة بإلغائها عمليا.
أجاب صديقي إجابة شافية وافية لم تدع مجالا لمزيد من النقاش فقال:"أنت تتكلم بالرأي وليس بالدليل الشرعي".
ومعنى ذلك أن كل حججي التي إجتهدت في حشدها، تعتبر لاغية وكأنها لم
تكن، وهكذا توقف الحوار، وشعرت بمزيد من العزلة. وقد صادفتني بعد ذلك بسنوات: على أرض أفغانستان ومع الشباب العرب تلك المواجهة الغريبة والقاطعة بين الرأي و الدليل الشرعي. وكان أعجبها في معركة جلال آباد، كما سيأتي ذكرها لاحقا، عندما نصحت بعضهم أن المعركة غير صحيحة عسكريا، فأجاب أنها واجبة شرعا واتهمني بأنني أتكلم بالرأي وليس بالدليل الشرعي. وكانت النتيجة أننا كعرب دفنا في جلال آباد أكبر عدد من الشهداء في أفغانستان.
وما زلت حتى الآن أخسر معظم المعارك بين الرأي و الدليل الشرعي ولم أفهم حتى الآن حاجة الإجراء التكتيكي في ميدان المعركة أو الخطة الإستراتيجية