معه. إنفجر صديقنا بسيل من الشتائم المنتقاة من قاموس أزقة لندن وإنهال بها على رأس الضابط المسكين وبأعلى صوت.
فتوقف العمل في الصالة وتجمهر رجال الجمارك والمسافرون وعمت الفوض وحضر مدير قسم الجمارك، الذي بادره السيد طاهر بجهود وساطة وبلغة
فارسية لم يفهم منها الضابط حرفا واحدَا، لكن السمت الوقور للشيخ وقامته المهيبة ولحيته البيضاء مثل كتلة ضخمة من الثلج، أثرت في المسؤول الذي أنهى المشكلة فورا وسمح لنا بالخروج بدون دفع رسوم أو حتى تفتيش أمتعة. والطريف أن أمتعة صديقنا أحمد كانت تحتوي على عدة أجهزة إرسال لاسلكي صغيرة متنقلة وكان ذلك كفيلا إذا ضبطه رجال الجمارك بأن نتحول من سياح محترمين، إلى ضيوف في قسم شرطة المطار أو حتى في سجن كراتشي.
لقد نظر العرب إلى باكستان نظرة دونية، وتصور الشباب الذي جاء من دوله الأصلية أو المهجر في أوروبا والغرب، أن باكستان دولة بلا أجهزة أمن أو قانون. دفعهم ذلك إلي إقتراف كثير من التجاوزات، وإلي إستبعاد أي إجراء أمني قد تقوم به حكومة باكستان ضدهم مستقبلا.
فانعدم لديهم أي شعور أمني. وقد دفعوا ثمن كل ذلك عندما تغيرت سياسة الدولة في باكستان وقررت توجيه الضربات إلى المجاهدين العرب. كذلك فإن أجهزة الأمن المعادية العربية والصليبية لم تجد صعوبة تذكر في معرفة كل شيء تقريبا عن التحشدات الجهادية للشباب العرب في وسط تسوده الفوضى وإنعدام الحس الأمني.
خرجنا إلى شوارع كراتشي ونحن لا نصدق أننا نجونا من تلك الورطة. وشعرنا بالإعزاز للشيخ طاهر، وفضله في حل الأزمة. أوقفنا سيارة أجرة وركبنا. أصدر الشيخ طاهر أوامره بالفارسية إلى السائق قائلا:"مسافر خانة".وتصادف أنها هي كذلك بالضبط في اللغة الأوردية.
حاول السائق الحصول على مزيد من المعلومات لكن اختلاف اللغات حال دون ذلك.
ولم نفلح نحن أيضا في إنتزاع أي معلومة إضافية من الشيخ طاهر عن هذه المسافر خانة وموقعها بالنسبة لخريطة كراتشي الشاسعة الأرجاء والتي يقطنها أكثر من إثني عشر مليون من البشر. ولكن اللغة العربية لدى الشيخ أفشلت محاولاتنا وتذرعنا بالصبر على أساس أنه يعلم ما يفعله.
في أعماق المدينة دخلنا أزقة ضيقة ووقف بنا السائق أمام بناية ضيقة المساحة مرتفعة البنيان وأشار بيده على أنها المسافر خانة. كانت الكهرباء مقطوعة والحر شديد وغرف"المسافر خانة"تنبعث منها أضواء خافتة لمصابيح الغاز، النوافذ متسعة وجلس عليها رجال أنصاف عراة من شدة الحر وهم يخاطبون من الطوابق المرتفعة زملاء لهم في الشارع، وباعة متجولون.
تبادلنا النظرات المندهشة، ليس لدينا شك في أن هذا المكان مشبوه، يأوي النشالين ومتعاطي المخدرات وكافة مهن العالم السفلي.