كان جبليا بكل ما في الكلمة من معنى، قوي الجسم تجاوز الخمسين، فاختلط شعر لحيته الضخمة بالكثير من الشيب. سار بنا في طريق بالكاد يصلح للماعز أو الإبل، فتعرضت السيارة لرجات قوية وكأنها قذائف مدفعية قد أصابتها. وفي كل مرة يضحك من أعماق قلبه و يصيح على إخوانه في الخلف قائلا":أوه مجاهدينو".
كان وجهه الطيب يطفح بشرا وسعادة طفولية وكأن هذه الصعاب ليست سوى نكات مرحة.
كنا نضحك لضحكاته. لم ندرك مدى معاناة إخواننا في الخلف سوى في اليوم التالي حينما شاركناهم في الجلوس داخل الصندوق، وكم ندمنا على ذلك، ولكن صديقنا أحمد لم يندم بل إنفجر بطريقته الصعيدية ونزل من السيارة غاضبا، وسبب لنا إحراجا شديدا، أما مضيفنا مطيع الله فكاد يذوب خجلا واصطحبه معه في المقعد الأمامي إلى جانب سائقنا العجوز الذي توقف عن الصياح خوفا من إنفجار الصديق الغاضب.
وصلنا إلى مركز مطيع الله للمرة الأولى بعد صلاة المغرب وفي العتمة شاهدنا صفين طويلين من رجال الجبال المجاهدين ونحن نمر بينهم في شعب ضيق جدا بين الجبال حتى أن بعضهم تسلق جوانب الجبل حتى يفسح لنا الطريق وما كدنا نتوسط الصفين حتى إنطلق شلال من النيران بعضه آلي، وكان الصوت مضخما في ذلك المكان الضيق. أصابنا بالذهول لبرهة قصيرة، وقفز إلى ذهني ذلك المأزق التاريخي للمماليك في مذبحة القلعة الشهيرة في مصر.
إستقبلنا مطيع الله بالعناق الحار وطلب من رجاله وقف إطلاق النار فوصل الأمر إليهم بصعوبة وسط ضجيج النيران.
كانت ليلتنا الأولى بين المجاهدين لا تنسى. صلينا معهم العشاء خلف قائدهم مطيع الله. كان محبوبا ومطاعا من الجميع، هكذا شعرنا من خلال التعامل الدائر في المعسكر.
وكان نشطا بشكل ملحوظ، حاد النظرات ذو صوت مبحوح خفيض. ملامحه تنطق بالذكاء والحيوية.
تحلقنا حول طعام العشاء المكون كالعادة من الشاي الأخضر والخبز اليابس، وذلك الشيء السكري المدعو (جر (وهو كتل يابسة من عسل القصب أو البنجر. كان ذلك الطعام يصيبني دائما بحالة من الهبوط المعنوي. ولم آكله قط إلا تفاديا للهلاك جوعا.
ولم يكن الحال كذلك بالنسبة للمجاهدين، فقد كانوا يقبلون عليه بشوق كما كنا نقبل قديما في مصر على أكل الفول المدمس.
كان لدى مطيع الله أخبارا سارة لنا، فمنذ أيام قليلة إستطاع رجاله تحطيم قوة للعدو حاولت الهجوم على مراكزهم في عمق الجبال، وغنموا منها الكثير من الأسلحة والذخائر وعدد من الشاحنات الجديدة ومنها تلك التي ركبناها اليوم إضافة إلى عدد من أجهزة اللاسلكي، ورشاشات ثقيلة.