والذي أدهشنا أكثر من أي شيء آخر أن أول صدام وأقساه على نفوسنا جاء من تلك الجهة الإسلامية التي حاولنا التعلق بها كما يتعلق الغريق بقشة وسط موج هائج. وأقصد بها جماعة الإخوان المسلمين التي لاقينا منها أشد العنت طوال عملنا في قضية أفغانستان. ثم لاحقتنا بعض) بركاتها (عندما حاولنا هذه الأيام الإنتقال للعمل في قضية طاجيكستان.
لقد أحيت فينا التجربة الأفغانية الكثير من الآمال وأوضحت لنا وأنارت الكثير من السبل العملية وزودتنا فيها بشيء من البصيرة والخبرة، لكنها أيضا أطاحت بآمال وأحلام أخرى كثيرة أولها كان جماعة- الإخوان المسلمين-، وآخرها تلك الآمال الساذجة في دولة على وشك الظهور في أفغانستان تحكم على نهج النبوة، على أيدي خلفاء راشدين!!.
وبين هذه وتلك تقع أحلام أخرى خاصة بتجميع"أمة الإسلام"خلف قضية ما أو زعامة ما.
ورغم أن قناعاتنا مازالت على أن السعي نحو تلك الوحدة إنما هو فريضة دينية إلا أن قناعتنا حاليا هي أن ذلك هو المستحيل الثامن إلا أن يتغمدنا الله برحمته، لأن تلك الوحدة ظهر لنا بالدليل العملي أنها فوق قدرة البشر أجمعين (لو أنفقت مافي الأرض جميعا ما ألفت بين قلوبهم ولكن الله ألف بينهم (إنها معجزة إلهية بحتة وإن كان السعي الإنساني إليها ضرورة دينية كما أسلفنا رغم يقيننا بالعجز أمام تلك المهمة.
وما أشبه ذلك بالقتال ضد جيوش جرارة حديثة ومتفوقة في كل شيء ما عدا الإيمان وهذا ما رأيناه ولمسناه بالحواس الستة في أفغانستان أنها مهمة مستحيلة بالمقياس البشري ولكنها تحققت أمام أعيننا في أفغانستان، وما أظن أن بني إسرائل مع نبي الله موسى كانوا أشد دهشة منا وهم يشاهدون بأم أعينهم معجزة شق البحر وإبتلاع الموج لأقوى طواغيت الكفر وجنوده.
إذن وحدة الأمة هي المعجزة المنتظرة كما أظن ويأتي بها الله عندما يرى سبحانه أن عباده قد تهيأوا لاستقبالها بما هو أهل له من طاعة وإنقياد وتذلل إلى الله من دون العباد.
لقد أظهرت التجربة الأفغانية من وجهة نظري مدى ضعف بنية العمل الإسلامي الطليعي المتمثل في الجماعات. وكم أن تلك الجماعات بعيدة عن الأهداف المعلنة لها بل و مناقضة لها في أكثر الأوقات. وكم أن الفردالمسلم المنتمي للجماعات أو الملتزم وغير المنتمي ما زال بعيدا عن المستوى المطلوب.
باختصار لم ألاحظ في تلك التجربة أن لدينا الآن الفرد المسلم الحقيقى الذي يمثل هذا الدين والذي يمكن له أن يقابل النماذج البشرية الكفرية المدججة بأسباب القوة المادية.
إن قوانا الروحية والأخلاقية لم يتم شحذها. فما زلنا ملوثين إلى درجة خطيرة بالمثل والخلق الجاهلي. ومهزومين داخليا مهما علا صراخنا بعكس ذلك أمام حضارة الغرب الملحدة.