من السهل إنحرافنا أو شرائنا أو تسخيرنا لمشيئتهم ومخططاتهم بعلم منا أو بجهل. وما حركتنا في أفغانستان ثم البوسنة إلا أمثلة لهذه السيطرة الطاغوتية وتحكمها عن بعد أو عن قرب بأفضل تحرك إسلامي في العصر الحديث ألا وهو التحرك الجهادي.
هذا التحرك الذي برز وتنامى في أفغانستان، ولم تتبلور له قيادة أو أسلوب عمل أو أدوات تنظيمية أو فكر واضح المعالم ومتكامل ويغطى مجالات الحركة المطلوبة، عسكريًا وسياسيًا في ظل مفاهيم شرعية واضحة ومنضبطة.
هذا كله لم يحدث في أفغانستان، وحتى الآن لم يحدث في أي مكان آخر حسب علمي لا في البوسنة ولا طاجيكستان ولا مصر ولا حتى الجزائر رغم التقدم الكبير للعمل الجهادي بها حتى لحظة كتابة هذه السطور.
فقد أثبتت أفغانستان أن العبرة بالنتائج النهائية للعمل الجهادي وليس بمقدار التقدم العسكري لهذا العمل في مرحلة من المراحل. وتعلمنا من أفغانستان أن الصراخ الجهادي مهما علا وثقب الآذان وهز الجدران لا يعني بأي حال أننا أمام عمل جهادي صحيح أو قيادة إسلامية مخلصة. وكثيرا ما تتناقض حدة الصراخ مع درجة الإخلاص.
وإلا لكان الشعب الروسي أكثر الشعوب إيمانا بالشيوعية، وإلا لكان القادة الأفغان والمنظمات الجهادية في أفغانستان أكثر إلتزاما بأبسط أحكام الإسلام وأقل خضوعا للدول الخارجية الكبيرة منها والصغيرة، من أمريكا وحتى باكستان مرورا بالسعودية وإيران وحتى أوزبكستان وطاجيكستان المحكومتان بنظم شيوعية حتى الآن. ولكن نفوذها داخل أفغانستان الإسلامية المجاهدة أكثر من النفوذ العملي لأبي حنيفة رضي الله عنه.
كان من أخطائنا البارزة ذلك الخطأ في تقييم الشخصية الأفغانية، وتلك الشخصيات التي قابلناها في رحلتنا الأولى حينما كان الجهاد في أنقى صوره قد أسرتنا مثالياتها من بطولة وإيمان وتضحية وتقشف وحماس ... إلخ، فعممنا ذلك على كل الأفغان، وتصورنا المجاهد الأفغاني في صورة أقرب للملائكة. وأعترف أنني كنت الأكثر مغالاة في ذلك الجانب من صديقاي أحمد وإسماعيل. وقد كانت أول مرة أغضب فيها على صديقي المنياوي هي تلك المرة التي إتهم فيها أحد المجاهدين بسرقة بعض متاعه وإن كان قد صرح بذلك سرا بيني
وبينه وغضبت لكونه إتهم مجاهدا بالسرقة، ومرة أخرى إتهم آخر بالكذب. وكان تقييمه النهائي للأفغان إنهم قوم يستحيل معاشرتهم ... أحزنني وأغضبني هذا التقييم القاسي، ولكن السنوات أثبتت أن هناك الكثير من السراق والكاذبين بل والمنافقين كانوا دوما في صفوف المجاهدين وبنسبة متزايدة مع الزمن.
ساعد على ذلك ظروف خاصة يمر بها المجتمع الأفغاني إضافة إلي ملابسات القضية الأفغانية والتداخلات الخارجية فيها.
وليس الشعب الأفغاني منفردا بتلك العيوب، مع كونه يجمع مزايا أخرى نادرة يصعب العثور عليها في أكثر الشعوب الإسلامية الأخرى.