لقد كان صديقنا الصعيدي أكثر خبرة بالناس ساعدته في ذلك ظروفه الشخصية التي سادها الإضطراب فترة الصبا التي نضجت فيها شخصيته مبكرا. أما أنا فكنت أقرب إلي تكوين طالب الجامعة المثالي قليل التجربة. أما صديقي إسماعيل فهو المثقف الذي إكتسب تجربة في العمل السياسي الجامعي فيما بعد مرحلة عبد الناصر. لذلك وبعد زيارته الأولى إلى أفغانستان كان رأيه أن الأفغان أقل من مستوى طموحاتنا والدور الذي نحلم أن يلعبوه على
المسرح الإسلامي والدولي وكان أيضا صادقا فيما ذهب إليه، وكنت أوافقه على رأيه ولكنني كنت مصرا على أنهم سوف يفعلون الكثير للإسلام ولمشروعنا الجهادي أيضا رغم بساطتهم السياسية على حد تعبير إسماعيل بعد زيارته الأولى.
ثم تابع كل منا تجربته من مسار مختلف وزاوية مغايرة فزاد التباين بين وجهات النظر منذ العام الأول فبينما ذهبت مع أحمد إلى جبهة القتال، عاد إسماعيل إلى بيشاور بعد أن تورمت ركبتاه المصابتان منذ عهده الرياضي الحافل، وهناك التقى مع جماعة"حكمتيار"وهم مثقفون نشطون يختلفون كثيرا عن مجاهدي الجبهة الذين هم رجال من الصخر أو أشد، ولا يكاد يكون لهم دراية بعالم السياسة المعقد والغامض.
كون إسماعيل رأيا بأن حكمتيار قد يكون الأقدر على القيادة وأن كوادره لا بأس بها لو وجدت الفرصة والإمكانات، وخالفته بشدة في ذلك بعد ما رأيت وسمعت في الجبهات ثم في بيشاور من جهات معارضة لحكمتيار. فقد كان رأيي أن حكمتيار مشروع كارثة.
وللأسف فإن علاقاتي قد توترت مع إسماعيل لفترة نتيجة إصرار كل منا على وجهة نظره. وإنتهى الأمر بإسماعيل إلى ترك العمل في القضية الأفغانية تماما.
بينما أكملتها إلى الرمق الأخير، وأبقي أحمد على نوع من الإرتباط المرن والفاعل وحرص على عدم الغرق في بحارها كما فعلت. ولكنه ظل مفيدا حتى اللحظة الأخيرة للقضية.
وأثبتت الأحداث أن كلانا أنا وإسماعيل كان على شيء من الحق. فالرجل"حكمتيار"كان نشطا وذكيا وحادا، ويمتلك أفضل تنظيمات الأفغان نشاطا وحركية. ولكن كل ذلك كان يتحرك في إتجاه الكارثة ومكرسا بالكامل لمصلحة قوة خارجية هي باكستان ومصالحها وتوجهاتها السياسية أكثر من إرتباطه بقضية إسلامية أو حتى وطنية على أرض أفغانستان.
وقد إتضحت لي هذه الصورة بدون إلتباس في أواسط الثمانينات عندما بدأت أتلمس عن قرب في إسلام آباد أثناء عملي الصحفي، الآلية الدولية التي تحرك الصراع داخل أفغانستان.
حتى أخطاء العمل العسكري كانت بذورها واضحة في تلك الزيارة. وأبرزها مشكلة القيادة وتبعثرها وعدم الإجماع على قيادة واحدة حتى داخل المنطقة الواحدة.