فيهم ما شاء الله أن يقيم، يسعى عند هذا ويتلطف لذاك، وكلهم يرده وكلهم يمتنع عليه. وكان مقامه فيهم قد أخافهم وثقل عليهم وأثار في نفوسهم إشفاقًا أن يصيب مدينتهم ما أصاب مكة من اضطراب الأمر، وانتفاض الضعفاء على الأقوياء واستجابة قوم لهذا الرجل الذي أنكره قومه ولم تره مدينته إلا ما يكره. فتقدموا إليه في الرحيل عنهم، ولم يكد يفعل حتى أغروا به سفلة الناس وسفهاءهم يؤذونه بالقول والفعل حتى ألجئوه ضعيفًا مكدودًا وكئيبًا محزونًا إلى حائط هذين القرشيين، وأقبل النبي وقورًا هادئ الخطى مطمئن النفس، تظهر على وجه الكريم آيات الضعف.، وآيات القوة، وآيات الحزن، وآيات الرجاء. ضعف مصدره الجهد والعناء، وقوة مصدرها الحزم والعزم، وحزن مصدره الرحمة لهؤلاء الذين يدعوهم إلى الخير فيبغونه بالسوء، ويرشدهم إلى النجح فيريدونه بالمكروه؛ ورجاء مصدره الثقة لأن الله لم يختره لرسالته ليخذله قبل أن يتم أمره، ويعلي كلمته، ويظهر دينه على الدين كله، وبأن الله لا يصيبه بما يصيبه به من المكروه إلا امتحانًا لقلبه وابتلاء لنفسه وتمحيصًا لطبعه
أقبل هادئًا والناس من ورائه مضطربون. مستأنيًا والناس من ورائه مسرعون، حتى انتهى إلى ظل من ظلال البستان فجلس متعبًا مكدودًا، والقرشيان ينظران إليه ويرقان له ويعطفان عليه، وينازعان نفسيهما إلى نصره ومعونته، وقد كادا يفعلان لولا أن ذكرا قريشًا، ولولا أن ذكر عتبة بن ربيعة صهره أبا سفيان وقدر ما يلقاه وما يلقاه أخوه من قريش إن منح محمدًا معونة أو نصرًا؛ ولكنهما رأيا ابن عمهما يأوي إلى ظلالهما مكروبًا محزونًا، فلم يملكا أن يمتنعا عن أن ينالاه بأيسر الخير وأهون البر، فيدعوان عداسًا عبدًا من عبيدهما ويأمرانه أن يحمل إلى هذا الرجل الضعيف المكدود شيئًا من عنب البستان ليصيب منه، ويمضي العبد منفذًا أمرهما، ولكنهما لا يستطيعان أن ينصرفا عن مكانهما ولا أن يحولا بصرهما عن ابن عمهما، وقد أهينت فيه قريش كلها، لولا أن قريشًا قد احتفظت بأحلامهما فهما ينظران ويرثيان، ويعمل الأسى في قلبيهما والعبد يسعى بالطبق إلى هذا الرجل المحزون، حتى إذا انتهى إليه وضع الطبق بين يديه، وأقبل الرجل على العنب يريد أن يصيب منه، والعبد قائم منه غير بعيد، ولكن القرشيين ينظران فيريان عجبًا: يريان كأن حديثًا قصيرًا قد دار بين الرجل وبين هذا العبد؛ ثم يريان العبد وقد أكب على