قبل أن تصل إليهم فيتهيئون لها ويستقبلونها ويكثرون من سؤالها، ويظهرون الحفاوة بها. ثم يخلو بعضهم إلى بعض، فيتبادلون بينهم أحاديث الرمز والإشارة والإيماء، ويقول بعضهم لبعض: لم يأت النبأ بعد؛ أو يقول بعضهم لبعض: لقد انقطع النبأ بعد أن جاءت بشائره. فلما كثر علي منهم ذلك أزمعت أن أعلم علمه، فتلطفت لهم وتوسلت إليهم حتى عرفت أنهم ينتظرون إصلاحًا دينيًا ذا بال، وأنهم قرءوا في كتبهم أن هذا الإصلاح يأتيهم من قبل هذه البلاد، وأنهم حسبوا وقدروا ورأوا أن زمان هذا الإصلاح قد أظل الناس، وأن أنباء قد انتهت إليهم وأحاديث قد نقلت لهم، وكلها يدل على أن أوان هذا الإصلاح قد آن. ثم قصوا علي من هذه الأنباء والبشائر أطرافًا، فلم أملك أن كلفت بالرحلة إلى بلادكم، وقلت ما يمنعني أن أبعدني السفر؟ وما يمنعني أن أتصل بقافلة من قوافلكم هذه فأبلغ معها هذه الأرض، فأعلم من علمها، وأصيب من تجارتها؟ ولعلي أظفر بما يتحرق إليه هؤلاء الرهبان شوقًا؛ وأنتما تعلمان كيف كان الاتفاق بيني وبين تلك القافلة التي أمنتني على نفسي ومالي، وضمنت لي أن أبلغ بلادكم هذه موفورًا فأصيب من تجارتها وأعود معها من قابل إلى الشام، حتى إذا بعدنا عن بلاد الروم وانقطعت أسبابي من أسباب قيصر عدا أهل هذه القافلة على مالي فاحتجزوه ثم عدوا علي فاتخذوني بضاعة وباعوني من صاحبكما ذاك الذي اشتريتماني منه قريبًا من يثرب
فهذا بدء حديثي أيها السيدان، وقد عملت في بستانكما أعوامًا، وكان الناس يتحدثون من حولي بهذه الأحداث التي تحدث في مكة ويتناقلون من حولي أنباء هذا الرجل الذي ينكر الأوثان ويدعو إلى التوحيد، ويريد أن ينصف المظلوم من الظالم، والعبد من السيد، ويسوي بين الضعيف والقوي؛ وكان الناس يتحدثون من حولي بما يلقى هذا الرجل في بلده من شر، ومما يمتحن به أصحابه من ألوان الفتنة، وكنت كلما سمعت هذه الأحاديث هششت لها، وطابت بها نفسي. وأحسست أن النبأ الأعظم قريب؛ وكنت أقدر أن صاحب هذا النبأ يجب أن يكون كإخوانه الذين سبقوه علمًا بدين الله، داعيًا إليه، مخبرًا من أنباء الأولين بما لا يخبر به الناس، وكم وددت لو أتيح لي أن أنحدر إلى مكتكما هذه فأسأل صاحبكما وأسمع منه، ولكن الرق في بلادكما شديد. فنحن أرأف منكم بالرقيق، وأعطف منكم عليه، وقد لبثت في بستانكما هذا أسمع الأنباء وألتمسها وأتحرق شوقًا إلى مصدرها حتى أقبل