لكن خديجة الحسيبة النسيبة، الثرية الوسيمة، لم تزل بعد نصفًا في النساء، عوانا بين الشباب والكهولة، قد شارفت الأربعين ولما تعدها، وهي سن لها عند بعض النساء جمال وروعة، وملاحة وأخذة، وكان غير واحد من كبار قريش حريصًا على خطبتها، ولكن خديجة كانت تتأبى على الخطاب، لا رغبة منها في العزوبة، فهي أعمر قلبًا وأنظر شبابًا من أن ترغب فيها، ولكن لأن الأيدي التي كانت تمتد لخطبتها ليست من الطراز الذي يعجبها. لقد نضج عقلها، وكبر قلبها، وأصبح كل منهما ينشد الكفء والمثيل، ومن لها بالعقل الراجح، والقلب الكبير في مجتمع خشن، كثيف، غليظ؟ أصبحت لا يروقها ذلك السؤدد العربي الجاهلي بما ينطوي عليه في واقع الأمر من بداوة وأعرابية، لا يمكن أن تفيء منهما إلى ظل ظليل
وبينا خديجة تروض النفس على احتمال الحياة الجديدة إذا بقلبها قد أخذت تنطبع عليه شيئًا فشيئًا صورة نجم شارق في أفق المجتمع المكي، ويوشك أن يتكشف عن كوكب وقاد يملأ الكون نورًا هاديًا. وحرارة تبعث فيه الحياة قوية بعد أن لم يبق منها إلا الذماء ولقد كانت تلك الصورة منتزعة من الحقيقة لا من الوهم ولا الخيال. أنها كانت صورة فتى لا يزال مغمورا، ولكن كل مخايله كانت تؤذن في نظر خديجة بأنه سوف يأخذ بزمام العالم ويوجهه وجهة جديدة. ذلك الفتى محمد بن عبد الله
كان محمد إذ ذاك شابًا قد ناهز الخامسة والعشرين من عمره، سوي الخلقة، مشرق الطلعة، نبيل المظهر، كريم المخبر، وكان يحيا حياة لعله لم يكن يحياها بمكة أحد غيره. كان زاهدًا في الناس، عزوفًا عنهم، إلا ما اقتضته ضرورة المعايشة والمساكنة، نزوعًا إلى التفكير، محبًا للعزلة، قادعًا للشهوة رداعًا للنفس، فأوشك بذلك أن يستغني بنفسه عن غيره. وغدا أنسه في وحشته وانبساطه في انقباضه، وغناه في إقلاله. قد حد ما بينه وبين الناس بحد واضح المعالم. ثم لم يأذن لعلاقته بهم أن تتجاوز هذا الحد فتنغص عليه نعمة بالهن وتفسد عليه هدوء سر به
لقد كان قلب خديجة يخفق خفقانًا شديدًا ما كانت تلمح هذا الفتى العجيب، يروح لطيته ويغدو في طرق مكة وأسواقها وأنديتها، وأدركت من فورها أنه حاجة قلبها ومهوى فؤادها. ولكن كيف تفضي إليه بدخيلة نفسها، وتبثه لاعج حبها؟ إن الحسب، والنسب، والخفر