وقد علمها المرض أن التقديس لا يكون إلا للكنوز المعنوية وهي العمل الصالح الذي ستلقاه شفيعًا لها أمام الله يوم الضيق، والضنك، يوم القيامة ولذلك أجابت:
لم أقل شيئًا! وإنما سررت كثيرًا جدًا من أجلك أنت. فقال بصوت امتلأ حنانًا وإجلالًا وتقديرًا: سيكون أول عمل أبدأ به أن أرسل في طلب أشهر الأطباء العالميين المتخصصين ليقتلع جذور هذا المرض الوبيل من جسمك الطاهر. فأخذت يده في يدها وجعلت تضغط عليها تعبر بذلك على أنها سعيدة بسعادته وأنها تتمنى له كل خير. . .
غادر فريد حجرة والدته، وعطف إلى حجرة المائدة فوجد والده يتناول عشاءه وهو عبوس الوجه، مقطب الجبين، شارد اللب، مبلبل التفكير، ورد تحية ابنه بصوت ضعيف حزين، ثم خيم سكون شامل، لم يكن يقطعه إلا رنين الشوك والملاعق وخشخشة السكين في الأطباق، وإن فريد - وقد تناول عشاءه مع بيرام ومحمود مبكرًا - جلس ساجي الطرف، مطرق الرأس متحيرًا، لا يدري السر في حزن والده المفاجئ، ولا يعرف من أين ولا كيف يبتدئ الحديث معه؛ فقد انسدت عليه مسالك القول من هذا الجو القاتم، ولم ير من المستظرف أن يغادر المكان دون أن يتكلما في الموضوع على انفراد ليكونا طليقين. . . وأخيرًا وبعد صمت طويل قال الوالد في تأثر ظاهر: كان يسرني أن تكون أبعد نظرًا، وأسد رأيًا، وأكثر حكمة، فلا تقع في هذا الخطأ الذي وقعت فيه فإن قعودك عن مرافقة القروي إلى الكهف قد يفوت عليك الفرصة، ففي المثل (إذا خرج الطير من الوكر فإن القبض عليه ثانية مصادفة قد لا تكون) . وهاهي السيارات تحت تصرفك فلم لم تركب إحداها وتذهب معه؟ ألا تخشى أن يذهب القروي إلى غيرك؟
لست أعتقد ذلك، فقد خرج شاكرًا لأني أعطيته جنيهين.
وهذا أيضًا تصرف سيئ؛ فإن جنيهين مبلغ لا يعري كان الواجب أن تعطيه خمسة على أقل تقدير.
أنه غير محتاج؛ فقد سألته عند انصرافه أن يأخذ غيرها فرفض.
سكت التاجر لحظة والغضب يشيع في وجهه، ثم قال فيشيء من الحدة: ولماذا أطلعت محمودًا على هذا الموضوع؟ ألا تعلم أنك بهذا العمل قد برهنت على قصر نظرك، وقصور عقلك، وعقم تفكيرك، وأن محمودًا سيطالب هو الآخر بمثل نصيبك في هذا الكنز؟ ولن