أن يتمالك نفسه وقال مغاضبًا:
-يجب البحث عن هذا السافل حتى نقبض عليه، ونسلمه للشرطة، إنه أخذ مني نقودًا، وكذلك أخذ من فريد.
-وقال السيد لطفي:
-لقد أعطيته أمس جنيهًا ذهبًا، وكذلك فعل شفيق، وإن النقود لم تكن لنا، فقد اقترضناها.
وقال فريد - موجهًا حديثه إلى والده: -
-أعتقد يا والدي أننا لن نستطيع أن نمد له يد السوء، فإننا نعجز أن نثبت ضده إدانة يؤاخذ عليها القانون، ويبدو لي أننا لم نكن أول من وقع في فخه، وأنه مثل هذا الدور مع كثيرين.
-فأجابه والده - وهو يكظم غيظه - بقوله:
-الواقع أنني لم أصادف في حياتي كلها قرويا له ذكاء كهذا الرجل، فقد أتقن حيلته، وحملنا على أن نؤمن أيمانا عميقًا بكل ما يقول، فقد كان بريق عينيه، ونبرات صوته، ينفذان إلى القلب فيمسحان عنه ما يكون قد علق به من شك.
وقال محمود:
-لقد عرف هذا الرجل كيف يلقى في روعنا جميعًا أن ما جاء به حقيقة لا يشوبها خيال. فعباراته كانت دائمًا هادئة ورزينة، خالية من المبالغة والتنميق، وأن أجابته - في غير ارتباك - على ما وجهته إليه من الأسئلة جعلتني أشعر بالفرح يغمرني من منبت شعري إلى أخمص قدمي؛ فقد أيقنت أن الحظ أبتسم لنا، وأن الدنيا قد أقبلت علينا، وما خالجني شك أن هذا الرجل يستطيع أن يتفنن في الكذب إلى هذا الحد.
واضطر السيد عفت - مع ما يحس به من حزن يعتلج في قلبه - أن يجاري الشبان فيما هم فيه فطلب قهوة للجميع وعطف بهم إلى حجرة الطعام واستداروا حول المائدة وأخذ كل منهم يقص على الباقين ما كان قد اعتزمه من المشروعات على أساس هذا الكنز، فقال محمود لفريد مازحًا:
-وهكذا بقيت معاهدنا - يا فريد - فكرة حبيسة في نفوسنا لم تتنسم نسيم الحقيقة، ولم تأخذ مكانها اللائق بجلالها في عالم الوجود. ثم أردف بعد صمت لم يدم طويلا. والله يا