والحيوان من الكثرة بحيث يختلط بعضها ببعض، وإن حيل الحيوان وحتى أبسطها في السعي لرزقه، تجعلنا نقرر بأن إحصاء عامًا للدوافع ضرب من المستحيل.
هذه هي الدوافع، وهذا موضوعها. والإنسان في سعيه إلى رزقه وفي سعيه إلى الحياة، إنما يستجيب إلى الدوافع التي ركبت فيه تركيبًا. ولو شئنا التطرف مع ميرفي ونيوكمب إن الإنسان ليس شيئًا آخر غير الدوافع التي ركبت فيه وجاءته عن طريق الوراثة، ومن هنا يكون الإنسان في هيئته وجنسه وسلوكه الأخلاقي، مدفوعًا بدوافع داخلية لا قبل له بردها. فالحب تبعًا لهذا ليس إلا استجابة لإفراز الغدد الصماء، والإجرام في بعض الأفراد ليس إلا استجابة طبيعية لتكوين المجرم الجسماني الذي أتاه عن طريق الوراثة. إن الدوافع الداخلية في الإنسان هي التفسير الوحيد لحياته الجسمية والأخلاقية. ومن هنا لا يكون الإنسان مخيرًا بل مسيرًا ولا يكون للتربية مجال كبير أو صغير في توجيهه وتهذيبه.
وهكذا يذهب ميرفي ونيوكمب ومعهما جمرة من العلماء، ويقولون بنوع من القدرية في تقرير الكائن الحي، إن كان سيولد إنسانًا أم فأرًا أم عصفورًا، إن كان سيولد بمنقار أو بشفتين، بأربع أرجل أم برجلين. فاختلاف الكائنات الحية عندهم نتيجة لاختلاف الدوافع التي وهبت للكائن الحي قضاء وقدرًا. وكذلك الحال عندهم في اختلاف الأفراد بعضهم عن بعض، فليس هذا إلا نتيجة لاختلاف الدوافع فحسب. ولئن زعم الناس بمرونة الإنسان وقبوله للتشكل والإصلاح، فلينظروا إلى هذا الاختلاف البين بين الأفراد بعضهم وبعض في نموذج كل مجتمع. أجل إن هذا الاختلاف لمثير، ومجموعة من الكلاب الصغيرة يمكن أن ترمز إليه كما ترمز إليه مجموعة من الأطفال في معهد خاص.
ليست هنالك إذن مرونة في الإنسان أو قابلية للتشكل في نظر تلك الفئة من العلماء، فالإنسان يستجيب للمؤثرات المحيطة به كما يستجيب لها الحيوان.
وكذلك يذهب أيضًا العلامة لمبروزو أستاذ القانون الجنائي في جامعة روما؛ فهو يرى أن الجريمة فرع من القضاء والقدر لا دخل لحرية الإنسان فيه؛ فالمجرم يولد مجرمًا بالطبيعة وإنه لمن التعسف أن يعاقب المجرم عن شئ لا يملك فيه اختيارًا أو مشيئة. وليس في الإمكان إصلاح مجرم ولد هكذا ولا تجدي فيه التربية أو التوجيه الحسن.
وقد خصص لمبروزو لشرح نظريته كتابين شهيرين هما: كتاب الرجل المجرم '