بإخلاص منصرفًا بتمامه عن العالم الخارجي الذي لا يعرفه ولا يفهمه كذلك يغنى العمال في علمهم ولا يكادون يحسون بما هو خارج عن عالمهم، وكما ينظر العالم الخارجي إلى النمل فيراه مخلوقًا أسود ضعيفًا وحقيرًا لا يستحق الاهتمام كذلك ينظر هذا العالم إلى سواد العمال وحقارتهم وضعفهم فيشيح عنهم بوجهه، وكما أن النمل لم يلق الاهتمام إلى عند طائفة العلماء وهو اهتمام نظري لا يجني منه النمل نفعًا بل يعود نفعه على العالم والتاريخ كذلك اهتم بعض العلماء بشئون العمال اهتمامًا نظريًا لا ينفع العمال أنفسهم في قليل أو كثير بل يعود نفعه على العلم والتاريخ ودوائر الإحصاء. وأخيرًا، كما يعبث طفل بحفرة للنمل فيهدمها بقدمه ويسلط عليها الماء أو يعمد رجل إلى هدم الحفرة ليتخلص من تلك الحشرات البغيضة كذلك تعبث قوى الطبيعة بالأكواخ فيجرفها سيل أو يغمرها فيضان وتهدمها ريح أو تدكها صاعقة، هذا إذا لم يتعمد هدمها السيد المالك نفسه فيجليهم عنها لسبب من الأسباب المتصلة بمصلحته هو التي ليس لها أدنى علاقة بمصلحتهم هم.
وما كانت هذه الأمور - كلها أو بعضها - لتشغل حيزًا من تفكيرها بل راحت تخدم زوجها بدفع من الغريزة ذاتها التي حملتها على خدمة أبيها قبله، فهو رجلها وهو المكلف بحراستها من الأقطار المجهولة وهي امرأته وعليها له واجبان: الخدمة والطاعة.
لم تكن حياتها عند زوجها إلا امتدادًا لما اعتادته في حياتها عند أبيها من جهد متصل وحرمان متأصل وبؤس وشقاء مقيمين.
ومع ذلك فقد دخل على حياتها الثانية عنصران جديدان أولهما ذلك الحب الذي يولد في قلب كل فتاة ليلة زفافها ولاسيما حين تكون في سن مبكرة وحين يكون الزوج أول رجل عرفته، وثانيهما الأوجاع التي كانت تتحملها من جراء ضرب زوجها إياها ضربًا قاسيًا في أكثر الأيام عقب عودته من الحقل في المساء.
ولكن بهجة ذلك الحب وأوجاع هذا الضرب ما لبثتا أن استقرتا في حياتها استقرار العادة المألوفة فتحول الحب بلذته وبما يخلفه من الآم في الحمل والوضع، إلى عمل رتيب آلي مثل طهي الطعام وغسيل الملابس وكذلك الضرب ولاسيما أنها باتت تتلقاه بشيء من القناعة لأنها أحست بأن الدافع إليه لم يكن رغبة من رجلها في الإساءة إليها بل كان ناشئًا عن عوامل مستقلة عنها فما كانت هي إلا أداة طارئة للتنفيذ، مما أكد لها ذلك أن الضرب