نظرة الفيل إلى البعوض أو الجمل إلى النمل، (لا يحس منهم من أحد ولا يسمع لهم ركزًا) .
ومنذ ذلك الحين أمسى أهل بلدنا إذا أرادوا أن يصفوا الرجل الشهوان الذي ما ينفك يوبق جسده برغائبه، ويدسي نفسه بمعايبه، قالوا وهم يتخافتون: أهو أشد من فلان شهوة، وأكثر منه جهالة وصبوة؟!.
وأنى لهم السكوت على مآثمه التي جرها عليه بذخه وسرفه، ولهوه وعبثه، وإنه لم يكتف ببنان الهوى يركبهن سيارته الفخمة، وينتقل بهن في شوارع البلدة المحافظة تحت الأسماع والأبصار، ولم يقنع بالخمرة يتهالك على شربها أناء الليل وأطراف النهار، ولا بالموائد الخضر يرودها غير ملول، ولا بالليالي الحمر يواصلها غير خجول، ولا بداره التي استحالت نديًا للأشرار، ولا بشقاقه مع الأبرار والفجار، وإنما راح يكلل جميع ذلك بشرفه يدوس عليه، وبعرضه يفرط به، وبدينه يقصر فيه، وبوطنه يحقره، حتى أضحى شعور الناس لا يأتلف إلا مقته، وباتوا من كرههم له يديرون في أفواههم ألسنة حدادًا تلعنه، وينظرون صيحة القدر الراصد تأخذه وهو يعمه في طغيانه، ويتباهى بعدوانه. . .
ولم يطل إملاء الله له واستدارجه، فما مضى عام واحد على طيشهُ ولهوه حتى خر من قفه المرفوع، وتهاوت من شجرته الجذوع والفروع، وغدت جنته الفتانة ذابلة الورود، ميتة الأعشاب، ساكتة البلابل (فأصبح يقلب كفيه على ما أنفق فيها وهي خاوية على عروشها ويقول: يا ليتني لم أشرك بربي أحدًا) .
وصار الناس منه على شماتة الحاقدين، فما أدركت الشفقة عليه أحدًا سواي - لا لأني أقرب رحمًا، ولا لأني ألين قلبًا - وإنما لشعور عنيف تملكني يؤمئذ وأخذ يهتف بي بلا انقطاع:
إن هذا لضحية! ولكن ويح نفسي إن بك مثل هذا الشهوان ضحية، فمن الجزار الذي ضحاه، وأين الساطور الذي ذبحه؟
وما عرفت الجواب إلا حين جمعتني بهذا المخلوق صلاة الجماعة فرأيته يدخل أول الناس ويبقى في تضرع واستغفار آخر الناس، فراعني مظهره وعجبت له فدنوت منه وقد استبد بي الفضول، ولم يحوجني هو إلى مقدمة لا تجدي فقد فهم غرضي فالتفت إلى وكأنما شعر نحوي بالاطمئنان وحدثني وهو يشرق بالدمع حديثًا كشف غنى الغطاء، فصار بصري فيه