أيها الشيخ؛ فإن الله تعالى قد يجعل ما يحبه هو فيما نكره نحن؛ وليس للأقدار لغة فتجرى على ألفاظنا؛ وقد نسمي النازلة تنزل بنا خسارًا وهي ربح، أو نقول مصيبة جاءت لتبديل الحياة، ولا تكون إلا طريقة تيسرت لتبديل الفكر. إنما لغة القدر في شيء هي حقيقة هذا الشيء حين تظهر الحقيقة؛ وكأين من حادثة لا تصيب أمرًا في نفسه إلا لتقع بها الحرب بين هذه النفس وبين غرائزها، فتكون أعمال الطبيعة المعادية أسبابًا في أعمال العقل المنتصر
وكثير من هذا البلاء الذي يقضي على الإنسان، لا يكون إلا وسائل من القدر يرد بها الإنسان إلى عالم فكره الخاص به؛ فإن هذه الدنيا عالم واحد لكل من فيها، ولكن دائرة الفكر والنفس هي لصاحبها عالمه وحده. والسعيد من قر فيعالمه هذا واستطاع أن يحكم فيه كالملك المطاع في مملكته، نافذ الأمر في صغيرتها وكبيرتها؛ والشقي من لا يزال ضائعًا بين عوالم الناس، ينظر إلى هذا الغني، وإلى ذاك المجدود، وإلى ذلك الوفق؛ وهو في كل هذا كالأجنبي في غير بلده وغير قومه وغير أهله، إذ كل شيء يصبح أجنبيًا عن الإنسان ما دام هو أجنبيًا عن نفسه
لقد كنت ضالًا عن نفسي وعالمها، فكنت في هذه الدنيا أستشعر شعور اللص، أشياؤه هي أشياء الناس جميعًا؛ واللص ينظر إلى أموال الناس بعيني شاعر متحبب كلف، وهي تنظر إليه بعيني مقاتل متربص حذر
كنت والله إن ضقت بالناس أو وسعتهم - رأيت في ذلك معنى من ضيق اللص وسعته؛ هو على أي حاليه لا ينظر في أعماق نفسه إلا شخصًا متواريًا تحت الظلام يتسلل في خشية وحذر!
وكنت نزقًا حديد الطبع سريع البادرة؛ ومن فقد عالم نفسه، وكان في مثل اللص الذي ذكرت - فإن هذه الطباع تكون هي أسلحته يدفع بها أو يعتدي. وما قط تمكن إنسان من نفسه وأحاط بها ونفذ فيها تصرفه - إلا كان راضيًا عن كل شيء، إذ يتصل من كل شيء بجهته السامية لا غيرها، حتى في اتصاله بأعدائه من الناس وأعدائه من لأشياء؛ فما يرى هؤلاء وهؤلاء إلا امتحانًا لفضائله وإثباتًا لها. وقد يكون عدوك في بعض الأمور عينًا لك في رؤية نفسك؛ ففيه بركة هذه الحاسة ونعمتها