الخروق، أو هو يحاول تدفئة قدميه بعض الشيء بعد تسرُّب ماء المطر إليهما من هاتيك الخروق. وبعد الكلمات الأولى يتركز صوته، ويتكلم بطلاقه، وتكاد تقتصر أحاديثه على شعراء إنجلترا. كذلك عرفهُ الرجال الثلاثة أو الأربعة من كبار الكتّاب والأدباء الذين رحّبوا به وشجعوه وساعدوه قدر المستطاع، مقدرين فكرهُ المشبوب وثقافتهُ وتأدبه وحسن بيانه
انتابته في الشهور الأولى حمى باريس، فأراد أن يرى كلُّ شيء ويسمع كلُّ شيء. لم يعن بأهل السياسة والتسوس، ولا بالمتحذلقين الذين لا هم لهم غير (قتل الوقت) والظهور، ولا بجماهير المتقاطرين لزيارة المكاتب والمتاحف، بل كان همه روح باريس الحية، ورسالة باريس الفكرية واتجاهات باريس في تطورها الفني. وحيث الجدل الأدبي واحتكاك الآراء فهو موجود، يساهم في الحديث والمناقشة، ويطرح أفكاره العديدة لمن يبغي النقد والتحميص
كذلك كان في الشهور الأولى. أما في الشهور الأخيرة فاستسلم لليأس، وقد مل كلُّ شيء، وزهد في كلُّ شيء. أترى مثله الأعلى كان أكبر من باريس أم أصغر؟
ليس من يعلم. إلاَّ أنهُ بات يومًا وقد أعرض عن الحياة، وكأنه قد صمم على الموت بدون انتحار. وكان عارفو مواهبه يمكنونه من مزاولة بعض الأعمال الكتابية التي يسعى إليها ويعيش عليها الألوف، كتحضير المواد اللازمة لتأليف المعاجم، وجمع المعلومات المقتضاة لتدوين سير العظماء - العمود الواحد منها بعشرين فرنكًا! فاشتغل قليلًا ثم أحجم. والعلة البطيئة التي لازمتهُ منذ الطفولة أخذت تتفاقم وتشتدّ بسرعة. وقد تلاشت آماله، واختفت من حواليه رؤى المجد المرجوّ، وأمتهن حتى ما تركه من منثورٍ ومنظوم، لعجز شعره بنثره عن تقديم شيء ولو صورة باهتة من نفسيّته المتفجّعة. وعندما قضى نحبه في الثانية والعشرين كان موقنًا بأن شيئًا من آثاره لن يبقى
أما فكتور هوجو فيرى أنه كان مخطئًا، إذ بقيت منه رسالةٌ متقطعة كتبها في عدة شهور إلى أحد أصحابه السويسريين، ولا يقتصد هوجو في إعجابه بتلك الرسالة التي يعتبرها (اعترافًا سريًا من نفس قليلًا ما تشبه غيرها، على حين أنها صورة لجميع النفوس. وهذه هي ميزة تلك الرسالة: فهي الاستثناء، الشاذ، وهي الشيء الشائع المألوف)