بدليل أن تلاميذ هذا الإمام (أبو يوسف ومحمد وزفر) الذين دونوا فقهه وشرحوا مذهبه كانوا يعتمدون في استنباطهم على أحاديث أخرى غير القليل الذي أعترف به أبو حنيفة بعد أن يعرضونها على قواعد فن (مصطلح الحديث) . على أنه لو فرض أن أبا حنيفة لم يعترف إلا بأحاديث قليلة لكان ذلك من أدلة ورعه وحرصه على متابعة نبيه (ص) ، فهو يخشى أن يعمل بحديث لا يثق بصدوره عن النبي، وهذا هو السبب في إنكاره الكثير من الأحاديث، فهو قد أنكرها تورعًا وخشية ألا يكون تابع النبي (ص) ، ولم ينكرها استهتارًا وجنوحًا إلى شريعة الرومانيين الوثنيين
أحاديث مروية بالسند: فلان التابعي الجليل فلان الصحابي الكريم، ولكلُّ واحد منهم ترجمته وسيرته، يتورع أبو حنيفة فلا يثق ببعض ما روي عنهم، ثم هو بعد ذلك يجيز لنفسه العمل برواية بطرس عن فيلبوس عن نيقولاوس عن الملك (يوستينانيوس) !!! سبحانك هذا بهتان عظيم!
لما فتح المسلمون البلاد التي كانت خاضعة للرومانيين وجدوا لأهلها عادات راسخة، وأحكامًا متوارثة، فأقروهم عليها، وبعضها ينطوي تحت أصول الإسلام الثابتة في القرآن، وعمل النبي (ص) والصحابة: مثل (العادة محكمة) (المعروف عرفًا كالمشروط شرطًا) ، (لا ينكر تغير الأحكام بتغير الأزمان) ، (استعمال الناس حجة يجب العمل بها) ، (التعيين بالعرف كالتعيين بالنص) فإذا أعتبر أئمة الإسلام تلك الأحكام اللاتينية التي يعمل بها سكان تلك البلاد وأقروهم عليها، ثم دونوها أو دونوا نظاهرها في كتبهم الفقهية، لا يكون ذلك منهم اعترافًا بشرائع اللاتين وإذعانًا لها، وإنما هو منهم عمل بأحكام مستندة إلى القواعد الإسلامية وسُّنة النبي (ص) .
وهم كما دونوا في كتبهم الفقهية أحكامًا تشبه الأحكام الرومانية دونوا أيضًا أحكامًا تشبه أحكام شرائع الفرس والترك والتتار الطورانيين وغيرهم من الأمم التي فتحوا بلادها.
فمن جملة القواعد في مجلة الأحكام الشرعية:
(إن الحاجة سواء كانت عمومية أو خصوصية تنزل بمنزلة الضرورة، ومن هذا القبيل تجويز(البيع بالوفاء) فإنه لما كثرت الديون على أهالي بخارى جوزت هذه المعاملة لداعي الاحتياج) أ. هـ. فهل يقوم أحد من الكماليين فيزعم أن (البيع بالوفاء) شريعة طورانية