الجلد هنا وهناك من سلخ النار، وظهر فيه من آثار الحروق لهب يابس احمر كأنه عروق من الجمر انتشرت في هذا الجسم. إنك إن تمثلت هذا الوصف ثم نقلته من الجلد إلى الدم - كان هو حريق ذلك الحب في دمي!
والحب - إن كان حبًا - لم يكن إلا عذابًا؛ فما هو إلا تقديم البرهان من العاشق على قوة فعل الحقيقة التي في المعشوق، ليس حال منه في عذابه، إلا وهي دليل على شيء منها في جبروتها
ولقد أيقنت أن الغرام إنما هو جنون شخصية المحب بشخصية محبوبه، فيسقط العالم وأحكامه ومذاهبه مما بين الشخصيتين، وينتفي الواقع الذي يجري الناس عليه، وتعود الحقائق لا تأتي من شيء في هذه الدنيا إلا بعد أن تمر على المحبوب لتجيء منه، ويصبح هذا الكون العظيم كأنه إطار في عين مجنون لا يحمل شيئًا إلا الصورة التي جنّ بها!
وتالله لكأن قانون الطبيعة يقضي ألا تحب المرأة رجلًا يسمى رجلًا، وألا تكون جديرة بمحبها، إلا إذا جرت بينهما أهوال من الغرام تتركها معه كأنها مأخوذة في الحرب. . . تلك الأهوال يمثلها الحيوان المتوحش عملًا جسميًا بالقتال على الأنثى، ثم ترق في الإنسان المتحضر فيمثلها عملًا قلبيًا بالحب
أحببتها جهد الهوى حتى لا مزيد فيه ولا مطمع في مزيد، ولكن أسرار فتنتها استمرت تتعدد فتدفعني أن يكون حبي أشد من هذا؛ ولا أعرف كيف يمكن في الحب أشد من هذا؟
ولقد كنت في استغاثتي بها من الحب كالذي رأى نفسه في طريق السيل ففر إلى ربوة عالية في رأسها عقل لهذا السيل الأحمق، أو كالذي فاجأه البركان بجنونه وغلظته فهرب في رقة الماء وحلمه؛ ولا سيل ولا بركان إلا حرقتي بالهوى وارتماضي من الحب
أما والله إنه ليس العاشق هو العاشق، ولكن هي الطبيعة، هي الطبيعة في العاشق
هي الطبيعة، بجبروتها، وعسفها، وتعنتها. إذا استراح الناس جميعًا قالت للعاشق: إلا أنت. . .!
إذا عقل الناس جميعًا قالت في العاشق: إلا هذا. . .!
إذا برأت جراح الحياة كلها قالت: إلا جرح الحب. . .!
إذا تشابهت الهموم كالدمعة والدمعة، قالت: إلا هم العشق. . .!