الضئيل ذو العمامة البيضاء المصنوعة من القطن. ولم يكن يتبعه حاشية ولا حرس خاص، إذ لم يكن في حاجة لذلك، لأنه أينما ذهب انحنى أمامه كل من صادفه مظهرًا الإجلال والاحترام. وجاء في ذلك الوقت ددجاز جوبانا يرى الأعمال الجارية. وكان راكبًا بلغته السوداء الموشاة بالفضة، وكان يحف من حوله خمسون جنديًا، وهو رافع بندقيته على كتفه. حقًا لقد كان منظره رهيبًا وهو ينظر نظرة النسر ملتحفًا بردائه الرمادي. ها قد اجتمع الراهب وقائد الحرب. وقد يقول قائل: قد اجتمع عدوان في مكان واحد. على أن رجل الكنيسة هو أعظم الاثنين رهبة وأشدهما خطرًا. وهو نفسه يشعر بذلك، فكان يبتسم ابتسامة هادئة. ومستقبل الحبشة يقف على هذين الرجلين، وشقاؤها يرجع إلى أن كلا منهما يستخدم الآخر ويستعين به. فرجل الحرب يستعين برجل الدين على الاستيلاء على عرش ملك الملوك، ورجل الدين يستعين برجل الحرب على الاحتفاظ بسيطرته على النفوس وبثروته العقارية. على أن وحدة البلاد المعنوية أثناء ذلك تتفكك. والأجنبي رابض أمام جميع أبواب البلاد
وتاريخ الحبشة السياسي يكاد ينحصر في حروب دائمة بين كبار رجال الإقطاع في سبيل الفوز بتاج سليمان. وفي اللحظة التي تقاسمت فيها أوربا القارة الأفريقية، وجدت الحبشة في مينليك الرجل الذي استطاع صد أول هجمة على البلاد. ولقد عرف ذلك الإمبراطور العظيم كيف يفرض سلطته على الجميع بفضل نشاطه الحربي وحنكته السياسية وكان أول همه تأييد سلطته في الداخل وإغلاق أبواب البلاد في وجه الغزاة. على أنه وقف عند ذلك الأمر ولم يتعده. إذ كان من الواجب الاستفادة من الانتصار المزدوج لينظم البلاد على الطريق الحديثة في الإنتاج والتبادل. ولكن الإمبراطور العظيم لم يستطع أو لم يرد ذلك. وقد يكون الموت عاجله قبل أن يتم ما أراد. ولقد حدثت قريبًا حوادث عدة تبين أن النجاشي ليست له على بعض الأقاليم البعيدة إلا سلطة اسمية، وأن هناك كثيرًا ممن يدعون الحق في عرش ملك الملوك. ويقال إن النجاشي يفهم تمامًا حقيقة الموقف ويعرف ما يجب أن يفعله. على أن هناك عقبات تقف في طريقه، ذلك أن من الواجب اليوم أن يبذل جزءًا من قواه في سبيل المحافظة على سلطته، وأن يطلب مساعدة كل أولئك الذين يشلون حركته في كل مشروع إصلاحي، وذلك في الساعة التي تهدد فيها مملكته بغزوة استعمارية جديدة.