وقد قال في أكثر أغراض الشعر: في الغزل، والشوق، والمدح، والوصف، والحكم، والعتاب، والذكرى المؤلمة، والقصص الشعري
وإذ كان الشطر المهم من حياته قد أمضاه في الشرق بعيدًا عن الأهل والوطن، نائيًا عن معاهد الصبى ومسارح الطفولة الأولى التي لم يبق في ذهنه منها إلا الذكريات المرة الممضة، فنستطيع أن نكشف كيف كان الشوق والحنين أبرز صفة في شعره؛ ولنسق لك مثلًا من ذلك. فمن قوله وهو في الشام يتشوق إلى بلاد المغرب:
كساها الحيا بُرد الشباب فإنها ... بلاد بها عق الشباب تمائمي
ذكرت بها عهد الصبي فكأنما ... قدحت بنار الشوق بين الحيازم
ليالي لا ألوي على رشد ناصح ... عناني، ولا أثنيه عن غي لائم
أنال سهادي من عيون نواعس ... وأجني مرادي من غصون نواعم
وليل لنا بالسد بين معاطف ... من النهر ينساب انسياب الأراقم
تمر إلينا، ثم عنا، كأنها ... حواسد تمشي بيننا بالنمائم
وبتنا، ولا واش نخاف كأنما ... حللنا مكان السر من صدر كاتم
وأسمعه يقول:
شربت حميا البين صرفًا وطالما ... جلوت محيا الوصل وهو وسيم
فميعاد دمعي أن تنوح حمامة ... وميقات شوقي أن يهب نسيم
ويثور كامن عواطفه كلما سمع ترجيع حمامة بصوتها الشجي، فيصف لك حاله عند سماعها بهذه القطعة الرقيقة:
رُب ورقاء في الدياجي تنادي ... إلفها في غصونها المياده
فتثير الهوى بلمس عجيب ... يشهد السمع أنها عواده
كلما رجَّعت توجعت حزنًا ... فكأنا في وجدنا نتبادَه
ثم يحاول أن يطفئ غلة ذلك الشوق المضني بالصبر، ويتخذه شعارًا وسلوة، فيسير على سنن غيره من الشعراء، ولكنه يخفق إذ يجد أن الصبر معناه إلهاب نار الشوق:
وإني لأدري أن في الصبر راحة ... ولكن إنفاقي على الصبر من عمري
فلا تُطفِ نار الشوق بالشوق طالبًا ... سلوًا، فإن الجمر يسعر بالجمر