فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 11599 من 30278

داعية ولكن من نوع وتوجه آخر ... خط لنفسه طريقًا وهدفًا ولكن كان يؤدي إلى الهلاك والفساد!! مضى في تنفيذ مخططه حتى سقط ضحية فتاة عرفت كيف تتعامل مع أمثاله ..

ماأجمل الماضي وما أقساه، صفتان اجتمعتا في ذكرى رجل واحد، صفتان متضادتان ... أحاول أن أتذكر الماضي من أجل أن أرى طفولتي البريئة فيها ... وأحاول أن أهرب من تذكره كي لا أرى الشقاء الذي عشته في عنفوان شبابي ... فحينما وصلت إلى سن الخامسة عشرة كنت في أشد الصراع مع طريقين هما طريق الخير وطريق الشر ... لكن من سوء حظي أنني أخترت طريق الشر، فقلدتني الشياطين أغلى وسام لديها، وصرت تبعًا لها ... بل لم تمضي أيام حتى تمردت عليها فأصبحت هي التابعة لي، فأخذت مسلك الشر وأستسقيت من منهاله المر الذي أشد من مرارة العلقم وأيم الله ... فلم أتخلى يومًا عن المشاركة في تفتيت روابط القيم والشيم الرفيعة، حتى أصبح إسمي علمًا من أعلام الغواية والضلال ...

ذات مرة استرعى إنتباهي فتاة كانت في الحي الذي أسكن فيه، وكانت كثيرًا ما تنظر إلىّ نظرة لم أعي معناها ... لكنها لم تكن نظرات عشق، ولا غرام، رغم أنني لا أعرف العشق ولا الغرام حيث لم يكن لي قلب وقتها ... وتغلغلت في أفكاري تلك النظرات التي استوقفتني كثيرًا، حتى هممت أن أضع شراكي على تلك الفتاة ...

بعد فترة أخذت منظومة شعرية يقولون أنها منظومة عشق، فأرسلتها لها عبر باب منزلها، ولكن لم أجد منها ردًا بذلك ولا تجاوبًا ... وأخذتني بعدها العزة بالأثم لأغوين تلك الفتاة شاءت أم أبت، فكتبت فيها قصيدةً شعرية من غير ذكر إسم لها ... حتى وصلها الخبر بذلك، لكنها لم تتصرف ولم يأتي منها شئ، وذات ليلة كنت عائدًا إلى منزلي الساعة الرابعة فجرًا، فأنا ممن هو مستخفي بالنهار وساربُ بالليل ... وإذا بي أجد عند الباب كتابًا عن الأذكار النبوية، فاحمر وجهي لذلك وأستحضرت جميع إرادات الشر التي بداخلي، حيث عرفت أن التي أرسلته لي هي تلك الفتاة ...

بهذا فهي قد أعلنت حربًا معي، ففكرت وقتها على أن أكتب قصيدة عن واقعة حب بيني وبينها وأنشرها بالحي، وبعدها أكون قد خدشت بشرفها ... وجلست أستوحي ما تمليه الشياطين على من ذلك الوحي الشعري، ففرغت من قصيدتي تلك وأرسلت بها إلى دارها مهددًا إياها بأن ذلك سوف ينشر لدى كافة معارفك ...

وجاءني المرسول الذي بعثت معه القصيدة بتمرات، وقال لي إن الفتاة صائمة اليوم وهي على وشك الإفطار وقد أرسلت معي هذه التمرات لك هديةً منها لك على قصيدتك بها، وتقول لك إنها ستدعو الله لك بالهداية ساعة الإفطار ... فأخذت تلك التمرات وألقيتها أرضًا، وأحمرت عيناي بالشر، وتوعدتها بالإنتقام عاجلًا أم آجلًا، ولن أدعها على طريق الخير أبدًا ما حييت ...

وأخذت أتصيد فترات روحاتها وجياتها للمسجد بإلقاء عبارات السخرية والإستهزاء بها فكان من معها من البنات يضحكن عليها أشد الضحك، ومع ذلك لم تحرك تلك الإستهزاءات ساكنًا فيها ...

ومرت الأيام ورأيت أنني فشلت في محاولاتي تلك بأن أضل تلك الفتاة وأستمرت هي بإرسال كتيبات دينية لي، وكل يوم إثنين وخميس وهي الأيام التي كانت تصوم فيهما كانت ترسل التمر لي، وكأن لسان حالها يقول أنها قد انتصرت علىّ، هذا ما كنت أظنه من تصرفاتها تلك ...

وماهي إلا أِشهر إلا وسافرت خارج البلاد باحثًا عن السعادة واللذات الدنيوية التي لم أرها في بلدي، ومكثت قرابة أربعة أشهر، وكنت وأنا خارج بلدي منشغل الفكر بتلك الفتاة، وكيف نجت من جميع الخطط التي وضعتها لها ... وفكرت فور وصولي لبلدي أن أبدأ معها المشوار مرة أخرى بأسلوب أكثر خبثًا ودهاءًا وقررت أنني سوف أردها عن تدينها وأجعلها تسير على درب الشر ...

وجاء موعد الرحلة والرجوع لبلدي وكان يومها يوم خميس، وهو من الأيام التي كانت تصومه تلك الفتاة، وحينما قدم لنا القهوة والتمر بالطائرة أخذت بشرب القهوة أم التمر فألقيت به [حيث كان رمزًا للصائمين ويذكرني بها] ...

(يُتْبَعُ)

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت