يقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: فصل في الصفات الاختيارية.
هذا الفصل تقريبًا في خمسين صفحة، وحقيقة: أن ابن تيمية رحمه الله ناقش موضوع الصفات الاختيارية في كتب كثيرة جدًا، منها درء التعارض في الأدلة على ثبوت الصفات الاختيارية من القرآن والسنة وأقوال السلف، في المجلد الثاني كله، وقد تعرض لهذا الموضوع ضمن درء التعارض في أماكن كثيرة، وكذلك شرح العقيدة الأصفهانية وبالذات صفة الكلام لله عز وجل، وكذلك التسعينية، وهي: رسالة ألفها شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في سنة (706هـ) تقريبًا في الرد على الأشاعرة في موضوع الكلام النفسي وهو متعلق بالصفات الاختيارية، فقد رد عليهم من تسعين وجهًا.
وكذلك شرح حديث النزول، والنزول من الصفات الاختيارية أيضًا، وغير ذلك من الكتب التي ألفها ابن تيمية رحمه الله في هذا الموضوع.
قال رحمه الله تعالى: وهي الأمور التي يتصف بها الرب عز وجل.
ثم قال: فالجهمية ومن وافقهم من المعتزلة وغيرهم يقولون: لا يقوم بذاته شيء من هذه الصفات ولا غيرها، فهم ينفون الصفات جميعًا، والجهمية ينفون الأسماء أيضًا، والمعتزلة لا ينفون الأسماء وإنما يثبتونها أعلامًا محضة فقط.
قال: والكلابية ومن وافقهم من السالمية -والسالمية طائفة من طوائف أهل الكلام يميلون إلى التصوف- وغيرهم يقولون: تقوم الصفات بغير مشيئته وقدرته، فأما ما يكون بمشيئته وقدرته فلا يكون إلا مخلوقًا منفصلًا عنه.
أي: أن الكلابية أثبتوا الصفات الذاتية، أما الصفات الاختيارية المتعلقة بالمشيئة فقد قالوا: لا يمكن أن تقوم بالله عز وجل، وشبهتهم هي: الخوف من الوقوع في حلول الحوادث بذات الله عز وجل، فإنهم يقولون: إنه إذا كان الله عز وجل يحب هذا العبد وبعد يومين يحب العبد الثاني وبعد ثلاثة أيام يحب العبد الثالث، فمعنى هذا أنه يقوم بذات الله عز وجل حدوث حب العبد في كل مرة، والحقيقة أن كلمة حدوث مصطلح كلامي، فإن كانوا يقصدون به أنه يحدث في ذات الله عز وجل صفة لم تكن موجودة من قبل أبدًا، فهذا لا يمكن أبدًا، فالله عز وجل قبل أن يحب هذا العبد هو قادر على المحبة وهو سبحانه وتعالى محب، لكن لما حصل فعل الخير من ذلك العبد أحبه سبحانه وتعالى، وإن كانوا يقصدون به أن الله عز وجل يحب متى شاء كيف شاء، فهذا نثبته ولا ننفيه، وهو ما جاء في القرآن والسنة.
ولهذا فإن مناقشات السلف رضوان الله عليهم لهؤلاء مناقشات دقيقة وقوية جدًا، فمثلًا: حصل للأوزاعي ولـ إسحاق بن راهويه ولغيرهما من العلماء مناقشات مع هؤلاء، فيقول بعضهم: هل تثبت أن الله عز وجل ينزل؟ فقالوا: نعم.
فيقول الكلابي أو الأشعري أو المعتزلي: أنا أكفر بإله يتغير، أو بعضهم يقول: أنا أكفر بإله يزول عن مكانه، فيرد عليه هذا ويقول: أنا أؤمن بإله يفعل ما يشاء؛ لأنك إذا قلت: إن الله عز وجل لا يفعل ما يشاء قد قصرت مشيئته وحصرتها والعياذ بالله، وهذا هو الخطأ العظيم الذي وقعوا فيه.
قال: وأما السلف وأئمة السنة والحديث فيقولون: إنه متصف بذلك كما نطق به الكتاب والسنة وهو قول كثير من أهل الكلام والفلسفة أو أكثرهم كما ذكرنا أقوالهم بألفاظها في غير هذا الموضع.
قال: ومثل هذا الكلام فإن السلف وأئمة السنة والحديث يقولون: يتكلم بمشيئته وقدرته، وكلامه ليس بمخلوق بل كلامه صفة له قائمة بذاته، وممن ذكر أن ذلك قول أهل السنة، أئمة السنة: أبو عبد الله بن مندة، وأبو عبد الله بن حامد، وأبو بكر عبد العزيز، وهذا من الحنابلة، وأبو إسماعيل الأنصاري وغيرهم، وكذلك ذكر أبو عمرو بن عبد البر نظير هذا في الاستواء وأئمة السنة: كـ عبد الله بن المبارك، وأحمد بن حنبل، والبخاري، وعثمان بن سعيد الدارمي، ومن لا يحصى من الأئمة وذكرهم حرب بن إسماعيل الكرماني عن سعيد بن منصور وأحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم - وهو ابن راهويه - وسائر أهل السنة والحديث متفقون على أنه متكلم بمشيئته، وأنه لم يزل متكلمًا إذا شاء وكيف شاء إلى آخر كلامه.