ومما يدل كذلك على أن أحاديث الآحاد مقبولة في العقائد والأحكام: حديث عمر الثابت في صحيح البخاري، وقد رواه البخاري في كتاب أخبار الآحاد, أنه كان له صاحب وكانوا عند أحد, وكان ينزل هو يومًا ويأتيه بما أخبر به رسول الله صلى الله عليه وسلم, وينزل صاحبه يومًا ويأتيه بما أخبر به الرسول صلى الله عليه وسلم, وهذا يدل على أنه يقبل خبر الآحاد.
وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم معاذًا إلى اليمن وقال: (إنك تأتي قومًا من أهل الكتاب فليكن أول ما تدعوهم إليه شهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله) , وشهادة أن لا اله إلا الله وأن محمدًا رسول الله من العقيدة, ولم يشترط أهل اليمن في أن يكون الناقل لكلام الرسول صلى الله عليه وسلم جمع غفير، وإنما كفاهم واحد.
وقد أرسل النبي صلى الله عليه وسلم عددًا من أصحابه إلى الملوك: فقد أرسل دحية بن خليفة الكلبي إلى هرقل، وأرسل عمرو بن أمية الضمري إلى المقوقس صاحب مصر, وأرسل غيره إلى كسرى وقد أرسل كل واحد منهم منفردًا، وكان مع كل أحد منهم كتاب من الرسول صلى الله عليه وسلم.
فاشتراط التواتر في أخبار العقائد مردود, ولا صحة له أبدًا؛ لأنه لو كان يشترط التواتر لأرسل النبي صلى الله عليه وسلم إلى كل حاكم من هؤلاء الحكام عددًا كثيرًا، وكل واحد منهم يقول: نشهد أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول كذا ويقول كذا, ولو كان خبر الآحاد لا يقبل في العقائد لصح لأهل اليمن أن يقولوا عندما جاءهم معاذ: لا نقبل قولك، فدع الرسول صلى الله عليه وسلم يرسل لنا عددًا متواترًا.
فالقول بعدم قبول أحاديث الآحاد في الحقيقة منع لأحكام الدين، ورد لها، ومن الأمور المتفق عليها والتي أجمع عليها أهل السنة والجماعة: أن أخبار الآحاد تفيد العلم, وأنها مقبولة في الأحكام، ومقبولة كذلك في العقائد.
وقد انحرف أهل الكلام من الأشاعرة والماتريدية والمعتزلة فقالوا: إن أخبار الآحاد لا تقبل في العقيدة, فإذا استدللت عليهم مثلًا بحديث النزول: (ينزل ربنا) ، قالوا: لا نقبل هذا الحديث؛ لأنه من أخبار الآحاد, مع أنه حديث ثابت في الصحيحين، وهكذا يفعلون في كل الأحاديث التي هي في صفات الله في الصحيحين فيردونها جميعًا، ويقولون: إنها غير مقبولة؛ لأنها أحاديث آحاد.