وأرض الحشر هي بلاد الشام، وقد بين الله في سورة الحشر أن بني النضير طردوا من المدينة إلى أول الحشر، وقال المفسرون: إن أول الحشر بلاد الشام، فإنه لما خرج بنو النضير من المدينة ذهبوا إلى أرض الحشر، وهي بلاد الشام.
فإن قيل: كيف تتسع بلاد الشام لهذه الجموع الكثيرة المجموعة من الأعصار المختلفة منذ زمن آدم إلى قيام الساعة؟ فنقول: إن الأرض تتغير وتتبدل ويمدها الله عز وجل، فتدك الجبال، وتصبح قاعًا صفصفًا، لا ترى فيها عوجًا ولا أمتًا، كما أخبر الله عز وجل، فيجتمع الناس في هذا المكان عراة، ليس عليهم لباس، وحفاة: ليسوا منتعلين، وغرلًا: ليسوا مختونين كما كانوا من قبل، ويجتمع الرجال والنساء، قالت عائشة للنبي صلى الله عليه وسلم: ينظر بعضهم إلى بعض؟ قال: (الأمر أعظم من أن ينظر بعضهم إلى بعض) وتدنو منهم الشمس قدر ميل، وسواء كان هذا الميل في السماء ميل المسافة، أو كان ميل المكحلة، فالمقصود: أن الشمس تكون قريبة جدًا من الخلق.
والإنسان في أثناء قراءته عن أحوال الآخرة لابد أن يضع في عقله أن أحوال الآخرة ليست كأحوال الدنيا، ولا تقاس بمقياس الدنيا، وعلماء الفلك اليوم يقولون: إن الشمس لو تقدّمت أمتارًا لأصبحت الأرض جمرة ملتهبة، أو ربما اختفت من شدة الحرارة، ولو تأخرت قليلًا لأصبحت الأرض جليدًا واحدًا من شدة البرودة.
وفي يوم القيامة تدنو الشمس حتى تصير قدر ميل ولا تضر، يعني: لا تحرق أجساد العباد، وإنما يجلسون في هذا المكان خمسين ألف سنة كما أخبر الله عز وجل على هذه الحال، في مكان ضيق كثير الزحام، وهذا هو الحشر، ويصيبهم العرق فبعضهم يلجمه إلجامًا، وبعضهم يبلغ العرق منه إلى كعبيه، وبعضهم إلى ركبتيه، وبعضهم إلى حقويه، كما أشار النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذلك.
فإن قيل: كيف أن العرق يلجم بعضهم، ويصيب بعضهم إلى قدر الركبة، وبعضهم أقل من ذلك، وهم في مكان واحد؟ وهل يكون مثلًا الذين يلجمهم العرق في مكان، وغيرهم في مكان آخر؟ فنقول: الله أعلم، فإن أمور الآخرة لا تقاس بمقياس الدنيا.