فهرس الكتاب

الصفحة 117 من 451

تمكين المكلف بالعلم الناتج عن النظر ليكون قادرا على الاختيار في أن يفعل وأن لا يفعل لأن «التكليف بما لا يعلم كالتكليف بما لا يطاق في باب القبح» [1] .

وإذا كان المعتزلة قد شرطوا في قدرة المكلف على الفعل وجود الإرادة والكراهة فإن الأشاعرة رأوا أن الله تعالى يأمر الإنسان بما يكرهه كالقتال وينهاه عما يحبّه كهوى النفس. ولم يشترطوا في المأمور به أن يكون العبد مريدا له ولا من شرط المنهى عنه أن يكون العبد كارها له لأن الفعل موقوف على القدرة والإرادة، وليس على كونه مريدا له، ولكنهم ذهبوا إلى أن فعله لا يوجد إلا إذا أراده أي أن الإرادة شرط في وجود الفعل، وليس في وجوبه علما بأن من المعتزلة من جوّز مقارنة الإرادة للفعل من غير أن تكون موجبة له [2] . وجعل بعض منهم الإرادة موجبة للفعل وذلك لعدم تمييزهم بين مرحلتي الفعل:

الأولى: التي يريد فيه الإنسان ولا يفعل. والثانية: يريد فيها ويفعل إذ جعلوهما معا عزما من الإنسان يوجب التنفيذ [3] . وبهذا لم يكلف الله تعالى العباد ما لا يطيقونه، وإنما كلفهم ما في وسعهم ومقدورهم فعله، فللعبد إذن قدرة وإرادة وفعل حقيقة يستطيع به أن يفعل ما يكلف به أو يتركه، ولكن الله عز وجل هو الخالق ذلك كله عند الأشاعرة [4] .

ولم يرد الأشاعرة الحكم على أفعال الله تعالى بالمقاييس الإنسانية لما فيها من محدودية الحكم على الحكمة الإلهية التي تسمو، وتعلو على الحكمة الإنسانية وعدوا القضاء على الغائب بحكم الشاهد من غير جمع بينهما في العلة والشرط والدليل والحد تشبيها بين الإنسان وبين الله تعالى في الأفعال، لذا بنوا منهجهم في إثبات العلم بالصفات الأزلية ورد الغائب إلى الشاهد [5] على اعتبار جوامع

(1) م ن، ج 1، ص، 11

(2) انظر د. سميح دغيم، فلسفة القدر في فكر المعتزلة، ص، 203وانظر نوران الجزيري، قراءة في علم الكلام، ص، 155

(3) م ن، ص، 204

(4) انظر، مرعى بن يوسف الحنبلي المقدسي، دفع الشبهة والغرر عمن يحتج على فعل المعاصي بالقدرة، ص، 51

(5) هو من طريق القياس الأصولي، يطلق عليه المتكلمون: قياس الغائب على الشاهد، فالمقيس عليه عند

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت