مقابله من العقوبة ما يردعنا عن إتيان المفاسد وما يرغّب فينا فعل الواجبات، وإلا صار المكلف مغرى بالقبح. ولا يجوز على الله تعالى أن يغري عباده للقبيح [1] .
وهم استدلوا على استحقاق الثواب والعقاب بالأدلة السمعية وهي أن الله عز وجل وعد المطيعين بالثواب وتوعد العصاة بالعقاب فلو لم يجب لكان لا يحسن الوعد والوعيد بهما [2] ، وحين يثيرون إسقاط الثواب يذهبون إلى أنه يرجع إلى العبد لا إلى الله عز وجل لأنه نتيجة لفعل العبد. فالثواب يسقط بندم العبد على ما قام به من الطاعات أو بما يفعله من معصية هي أعظم منه، أما العقاب فيسقط أيضا بالندم على ما فعله من المعصية أو بما يفعله من طاعة هي أعظم منه. لهذا هم يرون أن زيادة الحسنات والندم على المعاصي هي التي تسقط عن الإنسان العقاب وليس بعفو الله تعالى، وقد نص على هذا القاضي عبد الجبار المعتزلي:
«لا يسقط الثواب بإسقاط الله تعالى البتة» [3] ، وذهبوا إلى أن الطاعة تسقط العقوبة المستحقة في الصغائر أما الكبائر، فإن عقابها لا يزول بكثرة الطاعات المفعولة. وإذا كان معتزلة بغداد يرون إسقاط العقاب لا يحسن من الله عز وجل بل يجب عليه معاقبة المستحق للعقوبة [4] ، فإن معتزلة البصرة جعلوا العقاب حقا لله سبحانه على الخصوص، ونفوا أن يكون في إزالته إسقاط حق، وفي هذا قال الباقلاني (ت 403هـ) من الأشاعرة: «وكيف لا يحسن من الله العفو عن الذنب، وقد أمرنا به وحضّنا عليه» [5] .
ويمكن القول بعد هذا: إنّ الوعد والوعيد عند المعتزلة يمثّل أساس معنى العدل الإلهي، ويدل على مفهوم الحرية الإنسانية فهل يعقل أن يحاسب الله سبحانه العباد على أفعال من صنعه؟ وكيف يتساوى المحسن والمسيء؟ لقد اعتقدوا في هذا المجال أن الله لا يخلق وعده ولا وعيده، وأنه لا يجوز العفو على مرتكب الكبيرة
(1) انظر القاضي عبد الجبار، شرح الأصول الخمسة، ج 2، ص 273272.
(2) انظر م ن، ج 2، ص 279.
(3) انظر م ن، ج 2، ص 292.
(4) انظر إمام الحرمين، كتاب الإرشاد، ص 157156154.
(5) كتاب التمهيد (الباب الثامن والعشرون باب القول في الوعد والوعيد) ص 352