فهرس الكتاب

الصفحة 127 من 213

وعليه فإذا رأى أبو حنيفة عدم تسويغ الإحياء إلا بإذن الإمام، فهو يدل على أنه كان موفق الرأى وبعيد النظر، إذ لا تزال الجموع المثقفة في العالم تعتنق ذلك الرأى بعد مضى قرون طويلة. كذلك يوافق الرأى المذكور لأبى حنيفة في ترجيح إرادة الحكومة، وهى التى يمثلها لدى الإسلام، على إرادة الفرد، مذهبى النازية والفاشستية، إذ كلاهما يقرران أن الحكومة أفضل من الأفراد، وأن لها حقوقا تفوق حقوق الفرد. أما رأى أبى يوسف ومحمد بن الحسن والشافعى وأحمد بن حنبل في جواز الإحياء بغير إذن الإمام، فيوافق المذهب الاقتصادى الشهير الذى مبناه (عدم التعرض) ( Faire-Laissez ) وهو مذهب يؤكد خطورة شأن الفرد ورفاهيته في المجتمع، فيقرر عدم التعرض لأعماله الاقتصادية. ويرى أن الفرد خير قاض في أموره حسب مؤهلاته، فيجب أن لا تعترض الحكومة أعماله إلا عند التصادم بالغير. ولكن هذا المذهب قضت عليه المذاهب الاقتصادية الحديثة التى ظهرت أخيرا، وأساسها الوطنية مثل النازية، والفاشستية، والاشتراكية، والشيوعية وغيرها. أما مالك فجمع بين الرأيين المذكورين، ونهج نهجا وسطا بينها إذ قرر أنه إذا كانت الأرض الموات قريبة من العمران يلزم في إحيائها إذن الإمام، وأما إذا كانت بعيدة عنه، فلا يلزم فيه إذن الإمام.

على أن تمليك الإسلام الأرض بالإقطاع والإحياء هذا ليس بدون شرط ولا قيد، حيث يتمادى صاحبها بعد الإقطاع أو الإحياء في إهمالها، ويتغاضى عن إعمارها، ويترك أمرها بمضيعة. ومادام مبتغى الإسلام هو التسول إلى العمران والتقدم، فقد منعت الشريعة الإسلامية احتجازها أكثر من ثلاث سنين، ففى الحديث: (عادى الأرض لله وللرسول، ثم لكم من بعد، فمن أحيا أرضا فهى له، وليس لمحتجز حق بعد ثلاث سنين) . ص_126

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت