فهرس الكتاب
وعمال المدن لا يسكنون في ميادينها الفسيحة، ولا يقطنون أحياءها الفخمة بل يختفون في شقوق الأزقة ومجامع القمامة ومواطن الذباب. وكثير من دروب القاهرة وحارات العواصم الكبيرة لا يستحق إلا النسف بالديناميت ليعاد تعميرها على قواعد صحية جديدة، فإن الإسلام يكره الدور القذرة:"إن الله تعالى طيب يحب الطيب، نظيف يحب النظافة كريم يحب الكرم، جواد يحب الجود، فنظفوا أفنيتكم - بيوتكم - ولا تشبهوا باليهود". ويبدو أن الآية انعكست في هذا العصر. فقديما كان المسلمون يحذرون من إهمال بيوتهم وتركها نهبا للقذارة حتى لا يشبهوا باليهود. والآن يبنى اليهود مستعمراتهم فيتحول بها الريف إلى جنان ناضرة وقرى زاهرة بينما نحن على ما نعلم. لو كانت الأمور تجرى على منطق الدين عندنا لكانت أجسامنا وبيوتنا وقرانا ومدننا نسقا أعلى تحتذيه أمم الأرض لتقتبس من جماله وطهره ووضاءته. وهل ينتظر أقل من ذلك في دين نصف تعاليمه في الطهارة والوضوء وتجميل المظهر والخبر على سواء؟. ولكن للدنيا شئون والجنون فنون. ويقال: إن الحكومة ستبني للفلاحين قرى نموذجية، وهذه الرغبات الطيبة تبدو وتختفى كفقاعات الهواء في البحر المائج لا نجد من يعين على تنفيذها. لأنها تولد في محيط مصطخب الشهوات مضطرب التيارات من أهواء الرأسماليين والإقطاعيين، ومظهرى الحنان الكاذب من الدجالين والجلادين.
يوصى الإسلام بالمحافظة على حق العامل، ويحذر من انتقاصه والافتيات عليه ويضرب الأمثال - على طريقته - ليدلل على أن إيفاء العامل حقه وسيلة للنجاة من المحن التى قد تترادف على الأمم! اجتماعيا وسياسيا لو ظلم فيها العاملون ويئسوا من نوال أجورهم كاملة. ص_189