فهرس الكتاب
وجميل إذا أحرجتنا مطالب الحياة المادية ألا ننسى صور الحياة العليا، وأن نكرس بعض أوقاتنا لها إن استبدت بأكثر أوقاتنا مشاكل الدنيا الرخيصة. ولكن هل من المحتم أن يتعرض الإنسان لهذه المحن، وأن يضطرب في هذا البلاء ليخرج منه بعدئذ سليما أو جريحا؟ في أمثال العامة أن رجلا قال: اللهم أدخلنى بيت الظالم وأخرجنى منه على خير .. فقال له العقلاء: ولم هذا كله؟ لا يدخلك فيه ولا يخرجك منه. وخير الطرق للنجاة بإيمان الناس والبعد بهم عن الزيغ والسخط ألا نجعل البيئة الاجتماعية مثلا آخر لبيت الظالم الآنف ذكره. بيئة مليئة بالتجويع والتشريد، فمن يدرى ربما دخلوها فلم يخرجوا منها بخير قط؟ ولئن خرج البعض من أمثالى هذه البيئات بخير ما، إنه خير طفيف لوزن قليل الغناء. وإن أفضل ما نقدمه لديننا ودنيانا أن نعمل على سيادة التأمين الاجتماعى، وعلى شموله لكافة ما يحتاج إليه الفرد من ماديات ومعنويات.
والسبيل لذلك ميسرة لمن أراد السير عليها. فإن تأمين المجتمع من الجنايات الخطيرة شرعت له القوانين، وبنيت له الحاكم وكونت له فرق الشرطة. ولم تكتف حكومة في شرق الأرض ولا في غربها أن تحارب السرقة أو القتل بالنصح المجرد والوعظ البليغ. بل قامت الحكومات بالخطوات العملية الواجبة لحراسة الأموال والدماء والحقوق، واعتبرت ذلك وظيفتها الأولى. فهل تأمين المجتمع ضد الفقر والعجز والهوان الأدبى والعقلى، أمر يعتبر أقل خطرا عن أن تلتفت له الحكومات وتجعله من جوهر أعمالها ومن أسس وظائفها الطبيعية؟! ص_041