فهرس الكتاب
ولماذا يفرق بين الحالتين فتتكفل القوانين بواحدة ويترك للخطباء والواعظين أن يستدروا العطف أو يتسولوا الإعانات لإطعام جوعان أو لكسوة عريان أو لمساعدة عاجز؟ أو ليس هذا التفرق بين حالتين متشابهتين مثار تساؤل مريب؟ بلى! فما قام هذا التفريق السمج إلا في غفلة الأديان عن أداء رسالتها وبسط رقابتها، فقام المحتكرون والمستغلون يؤلفون طبقات تأخذ من الشعب ماله - غصبا حراما - ثم ترد بعضه - صدقة مذلة فتصل هذه الصدقات إلى فريق قليل، وعلى أوقات متباعدة، وتبقى الكثرة العظمى من الأمة في أكثر أيام السنة تهددها الويلات وتنتابها الكوارث. إن الإسلام تارة يعتبر الأمة كالبنيان يشد بعضه بعضا. وتارة يجعل الأمة كالجسم الواحد في شيوع الإحساس والشعور بالألم. غير أن هذه الأقوال إن لم تترجم عمليا وإن لم تنقل من ميدان النصائح والأخلاق المستحبة إلى ميدان القوانين المهيمنة على شئون الدولة، ومصاير الأفراد، وعلائق الطبقات فإنها تبقى كما هى في مواضعها من بطون الكتب أو في أفواه رجال الدين ولا تتقدم الحياة شبرا إلى الأمام. وقد جاء الإسلام بتعليمات مالية خطيرة الأثر - لو أردنا تطبيقها - وهى في جملتها تستهدف إقرار التأمين الاجتماعى، وبث الطمأنينة في قلوب الناس. وعلينا أن نبتدع الوسائل لتنفيذها، وأن نقتبس وننتفع بالأنظمة السائدة الآن، والتى تلتقى وإياه عند غاية واحدة. ولنعمل على تطهير المجتمع من آثار التخلخل الاجتماعى بسن القوانين وإحكام التشريعات مثلما نصنع تماما في مكافحة الجراثم الاجتماعية التى حرمها الدين، وإلا كنا ممن يؤمن ببعض الكتاب ويكفر ببعض. ص_042