فهرس الكتاب

الصفحة 207 من 213

ويشيع الآن بين بعض المسلمين استعمال السبحة مثلا كأنهم لم يكفهم ما شرع الله من أذكار، فزادوا فيها ما يبلغ به الدين تمامه!. وربما حرص بعضهم على نوافل الدين أكثر مما حرص عليها صاحب الرسالة نفسه. ونستطيع القول بأن هذا الإغراق يكاد يكون مظهرا عكسيا لانحلال عرا الإيمان في النفس، والباحث عن جوهر الدين لا يجده في أفئدة هؤلاء المغالين الدجالين. وإذا وجد منه شيئا فنسبته تافهة إلى جانب المظاهر الكثيفة التى يتظاهرون بها ويتطاولون فيها ... ذلك أن هذا التغالى لا يقع إلا في العبادات الشخصية القائمة على الإيمان بالغيب، ولا يقع في العبادات الاجتماعية القائمة على التواصى بالحق والصبر والتعاون على الخير والبر، ولا في العبادات السياسية المبنية على الجهاد الدموى والمالى لتحقيق الأهداف الإنسانية العليا، مع أن المسلم إذا فاته من هذه العبادات فقد فاته لباب الدين، فما يجديه التغالى بعدئذ في مظاهر الصلاة والصيام؟. وإنما وقع الغلو المذموم في النوع الأول من العبادات وحده وازدحم المتنطعون على موارده لأن التلبيس به ممكن على النفس وعلى الناس. ومقياس الصحة والفساد فيه، والقبول والرفض له غيب عند الله وحده .. والانفعالات النفسية التى تدفع أصحابها إلى الإغراق في التعبد لا ميزان لها عند الله. إنما الميزان الراجح لما يتعوده الإنسان من أعمال صالحة يستقيم بها خلقه، وتزكو بها نفسه، ويسمو بها ضميره وسلوكه حتى الممات. ولقد روى عن الرسول - وقد أخبر عن مولاة له تقوم الليل وتصوم النهار - فقال:"إن لكل عامل شرة، ولكل شرة فترة، فمن صارت فترته إلى سنتى فقد اهتدى ومن أخطأ فقد ضل".

وتلك هى الشبهة الثانية الرائجة، فمن أقسى المطاعن التى وجهت إلى الدين في صميمه ونالت منه في هذا العصر شر منال، أنه عدو لدود للعمران البشرى، ص_206

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت