فهرس الكتاب
خلق الله هذه الأرض مباركة التربة، موفورة الخيرات، وقدر لها أقواتها، وأوح فيها أرزاقها، وهيأ لمن فيها رغد الحياة. ودبر لكل نسمة عوامل طمأنينتها، ثم ساقها إليها وهو يعلم مستقرها ومستودعها. فالناس جميعا يستطيعون العيش الرخى، ويقدرون على أخذ أنصبتهم اللازمة لهم من موارد الحياة الدافقة أبدا، والتى لا تغيض قط كما يأخذون أنصبتهم من الماء والهواء والضياء سواء بسواء. ولكن الدنيا بليت بأقوام اعترضوا مجرى الحياة المعتاد فعاقوه عن مضيه وحبسوه عن انطلاقه. كما تعترض الجنادل الصلدة مسايل الأنهار الكبرى، فتحجز الماء وراءها لججا صاخبة وتترك أمامها بقاعا جرداء ترتقب الرى فلا يصلها، وتتطلع إلى الخير فلا يأتيها!!. ذلك عمل المحتكرين في العالم، وأثر قلوبهم الخربة وأيديهم الملوثة. يتلقفون السحب الهامية فيبيعونها للناس قطرة قطرة بالسعر الذى يشاءون. ويستولون على مناكب الأرض ثم يوزعونها على الشعوب ذرة ذرة كما يشتهون!!. وقد حرم الإسلام الاحتكار، فإن المحتكر مناع للخير معتد أثيم. وهو مضيق لفضل الله على الناس، يقول الله له يوم القيامة:"اليوم أمنعك فضلى، كما منعت فضل ما لم تعمل يداك". وهو مسخر لإشقاء الجماهير وتعريض حياتهم لمظان التلف. وهل أدل على ذلك من أن وباء"الكوليرا"لما انتشر أخيرا ونشر بعض الأطباء أسماء العقاقير التى تقى منه، اختفت هذه العقاقير من محالها على عجل- وكانت قبلا مبعثرة في السوق- ليتحكم تجار الموت والحياة من اليهود المحتكرين في طريقة بيعها وتقدير ثمنها!. وقد اختار النبى- صلوات الله عليه وسلامه- لهؤلاء الصفة التى اختارها القرآن لدمغ جبابرة الأرض بالخزى والهوان فقال فيهم:"لا يحتكر إلا خاطئ"كما ص_170