فهرس الكتاب
وأينما رجعت بصرك في أحوال هذه الأمة ومناحى حياتها الحاضرة وآماد تاريخها القريب، فإنك لا ترى إلا تجاوزا عن الحق وغضا من قيمته وإهمالا لشأنه. وكم من حقوق ألف الناس ضياعها. ومعالم توارثوا طمسها، وأباطيل أطبقوا على احترامها، ومساخر تهيبوا مسها، بل تعلموا إجلالها. فهل كان ينتظر لأمة - ذاك سير الأمور فيها - أن يحابيها القدر وتستثنى من قوانينه الغالبة؟ كلا. (ومن يبدل نعمة الله من بعد ما جاءته فإن الله شديد العقاب) إن المسلمين تنكبوا عن الحق الذى هداهم الله إليه فلا جرم أن يسلبوا الحصانة التى استمتعوا بها دهرا طويلا. وعليهم أن يستفيدوا من الدرس الذى تلقنوه. فإذا وجدت راية العدالة والإنصاف جوا تخفق فيه، وإذا داعبت أطرافها نسائم الحرية الطلقة المتاحة لكل فرد. وإذا مشت في ظلالها الجماهير الغفيرة والطبقات الكادحة لا تشكو ضيفا ولا عنتا ولا افتياتا. فإن هذه الراية تسود مشارق الأرض ومغاربها، وترمقها الأبصار في أى مكان بنظرات الرعاية والحب. أما الآن فإن العالم كله يدرك من أحوال الشرق الإسلامى ما لا يسر قط، ويعرف أن هذا الجانب من الأرض - الذى يسكنه حملة القرآن وأتباع محمد - إنما هو جانب مريض في دنيا أفعمت بالعافية. جانب غبى في حياة أفعمت بالعلم.