فهرس الكتاب
قد يقال: ما للأديان وهذه المشاكل تتصدى لها؟. وجدير بها أن تقف عند خصائصها الأولى فتوضح المسائل الإلهية وتشرح التعاليم النفسية والخلقية. ولئن نجحت في هذا الميدان لقد كسبت معركة الحياة حقا، وأدت رسالتها كاملة!. وهذا رأى له وجاهته لو أن الدين على ما فهمه القاصرون فيه، من أنه طقوس تقام، ورسوم تصان، وبخور يحرق، وأيد تقبل، وملامسة للنفس الإنسانية من أضيق جوانبها، ويعرض لقواعد الأخلاق من الناحية السلبية التى لا تعرف إلا الأمر المجرد والنهى المجرد. لو أن هذه الأشياء هى حقائق الدين وقصارى جهده في توجيه الحياة الإنسانية والهيمنة عليها لوجب إقصاء الدين عن دنيا الناس فورا .. لكن الدين- كما أبدينا في المقدمة- هو الفطرة السليمة والعقل الرشيد. والأنظمة العمرانية التى تتجه إليها الفطرة ويستريح إليها العقل مادامت تمشى في حراسة الضمير اليقظ الموصول بالله- ملك الناس إله الناس- فهى دين لا غبار عليه .. أى أن الدين له مركز ثابت لا يتغير ولا يتنقل- كنقطة ارتكاز الدائرة- ذلكم هو الضمير الإنسانى. وله آفاق تمتد وتتسع وتترامى في شتى الأمكنة والأزمنة لكنها ترتبط بهذا الضمير ارتباط محيط الدائرة بنقطة ارتكازها. وهذه الامتدادات ليست إلا عمل المواهب البشرية في هذه الحياة. وهى لا حدود لها ولا تخوم، وإنما صنعت لها الحدود، وأقيمت في وجهها السدود أيام التأخر العقلى الغابر ... والإسلام دين يقوم على هذه الحقائق وحدها، ويبرأ من الأوهام التى اتصلت به لتجعله دين كهنوت وجبروت، كالأديان التى سبقته، والتى حال لونها على مر الزمن ففسدت وأفسدت على الناس حياتهم. وملكت نواصيهم لأصنام من الحجر أو أصنام من البشر. ص_203