الرياسات، على النحو الشائن الذى شاع في ميدان الحكم، وبلى المسلمون به دهرا طويلا، وقد انعطف سواد الأمة نحو العلماء يأخذ عنهم ويقتدى بهم، وشعر الخلفاء بهذا الاتجاه الشعبى ونفسوه على الأئمة الصالحين وأرادوا أن يستغلوه لصالحهم الخاص- شأنهم في أحوالهم كلها- بيد أن أئمة العلم فوتوا عليهم هذا القصد،! وكرهوا أن يصدر منهم أى تصرف يفهم منه الرضا باغتصاب الحكم والافتيات على جمهور المسلمين. أراد عبد الملك بن مروان أن يزوج ولى عهده من بنت سعيد بن المسيب- وهو من أئمة السنة- ليدرع بهذه المصاهرة ويكسب فضل وجاهة لدى العامة!. فأبى سعيد، ورفض ولى العهد! وآثر بابنته طالب علم فقيرا!! وتحمل في ذلك عنت الخليفة المستبد وإهانته. ولما انتشر فقه أبى حنيفة وعلت في الناس مكانته رغب إليه المنصور في تولى القضاء- من قبل العهد العباسى الجديد- وشعر أبو حنيفة أن المراد ليس إسناد القضاء إليه، بل انتفاع الدولة باسمه واكتسابها تأييده، فأبى قبول المنصب المعروض، وزج به الخليفة في السجن حتى مات فيه، وقيل: ضرب فيه حتى مات!. وكانت ولاية العهد- أيام مالك بن أنس- تؤخذ اغتصابا، ويستوثق الملوك لها ببيعة عاجلة تؤكد بالإيمان المغلظة، وبالطلاق والعتاق، وأفتى مالك رضى الله عنه بالحق في هذه المساخر فطورد الفقيه الصالح!. ذكر الواقدى أن مالكا كان يأتى المسجد ويشهد الصلوات والجمع والجنائز ويعود المرضى ويقضى الحقوق، ثم ترك ذلك كله، ثم قيل له فيه، فقال: ليس كل إنسان يقدر أن يتكلم بعذره، وسعى به إلى جعفر بن سليمان وإلى الرشيد، وقيل له: إن مالكا لا يرى أيمان بيعتكم شيئا، فضربه بالسياط ومد لذلك حتى انخلع كتفاه!. 197