وقر في أذهان القدامى أن الحكم أيسر سبيل إلى المغانم الجمة، والمنافع الجسيمة، وأن تملك الشعوب وسيلة فعالة يتمكن بها الرجال المغامرون من إجابة النزوات التى تضطرم في دمائهم. ومن كالحاكم تجبى له الأموال، ويزدحم حوله العبيد، وتربط مصالح العباد بسدته، وترتفع حظوظهم أو تنخفض بإشارته. إن الإمارة كسب مادى، وجاه أدبى، يناله الإنسان من غير عوض طائل، والجماهير المسحورة حسبها أن تلتف حول أميرها لتنطق لسانه مفاخرا متعاظما بما قال الشاعر: ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا لا ريب أن هذه المناصب تغرى النفوس الطامعة، وتجعل الكثيرين يتوقون إلى اعتلائها، فلما جاء الإسلام وبدأت هداياته تشرح الصدور بالحق وأحست الشعوب بأنها كانت ضحايا لصوصيات كبيرة، وعرف أنه ما من حق إلا بإزائه واجب، وأن الحاكم فرد يختاره الجمهور ليأخذ منه أكثر مما يعطيه، وأن الحاكم يجب أن يحس بأثقال المصالح العامة التى نيطت بعنقه، وأنه لو عقل لتهيب أعباء منصبه فإنها أمانة سوف يسأل عنها، لا لذة عاجلة يراد انتهازها. لما جاء الإسلام بدأ يتكلم بدقة ووضوح، فمحا ما يفهمه الناس عن الحكم من أنه متعة ومجد. إنه مسئولية فادحة لا يتعرض لها فيفرط فيها إلا أحمق سيئ الظن بالله، وفى ذلك يقول النبى صلى الله عليه وسلم:"إنكم ستحرصون على الإمارة وستكون ندامة يوم القيامة!! فنعمت المرضعة وبئست الفاطمة". ويقول صلى الله عليه وسلم:"ويل للأمراء، ويل للعرفاء، ويل للأمناء، ليتمنين أقوام يوم القيامة أن ذوائبهم معلقة بالثريا يدنون بين السماء والأرض وأنهم لم يلوا عملا". 067