عبر من الماضى الإسلام عقيدة ونظام .. عقيدة تعمر القلوب، ونظام يسود الجماعة ويقودها، وعمل العقيدة، ليس إصلاح النفس، وتكوين الفرد الكامل فحسب، بل العقيدة الراسخة دعامة يتماسك عليها كذلك نظام المجتمع، وتستقيم بها شئون الحكم كلها. في فن الرسم تتكون الزخارف الجميلة من شكل معين يكرر وينسق مرات كثيرة لتخرج منه صور شتى. والفرد الصالح - في نظر الإسلام - الوحدة التى تتكرر، فتكون المجتمع، وتكون الدولة، ومن ثم فالإشراف على تربية الفرد تربية إسلامية حقة عمل ذو نتائج واسعة، لأنه يحقق أهدافا جمة، إنه يقدم للفرد صلاحه الشخصى، وللمجتمع ضميره اليقظ الحى، وللدولة روح الإخلاص في حياطتها وتلبية أمرها، وعنصر التفانى في حمايتها وإبلاغ رسالتها. والحكومة لا تكون مسلمة إلا إذا أقامت النظام الذى يدعو إليه الإسلام وغرست العقيدة التى تمد هذا النظام بالحياة والحرارة والنماء، وعلى قدر انشغال الحكومة بذلك يكون قربها أو بعدها من هذا الدين، فلو أن رجلا تسمى خليفة المؤمنين واصطنع نوعا من الحكم لا يقوم على هذين الأساسين، فهو رجل كاذب في دعواه، ولا يسلم له أبدا بالصفة التى انتحلها مهما نودى بها، أو دعى له من فوق المنابر. وليس الإسلام بدعا في هذا المنطق، فلو أن أمة ما اعتنقت المذهب الشيوعى ثم جاء من حكمها بمنهاج رأسمالى، فهل تعتبر الصلة قائمة بين الأمة والحكومة على نحو من توافق الفكرة؟. إن الحكومات التى قامت في روسيا التزمت الأصول التى اندلعت من أجلها الثورة الحمراء، والحكومات التى قامت في فرنسا التزمت المبادئ التى هتف بها الثوار. فإذا انحرفت حكومة عن الحدود التى رسمت لها اعتبرت خائنة لمبادئها ومتمردة 167