فهرس الكتاب

الصفحة 59 من 212

وطالما كنت في طفولتى أستمع إلى الخطباء أيام الجمع وهم يدعون الله أن يولى أمورنا خيارنا، ولا يوليها شرارنا، وألا يؤاخذنا بما فعل السفهاء منا، وأن يحسن خلاص المسجونين!! - يعنون ضحايا الاستبداد لا معتادى الإجرام -. كانت هذه الدعوات تقارن الدعاء بالمغفرة والتطلع إلى الرحمة العليا كأنما أصبحت مصائب الحكم تساوى خطايا الأفراد كلاهما في حياة الناس ضربة لازب.

يمتاز هذا العصر بأن الصلة بين الحكام والشعوب قد ضبطتها دساتير محددة وقوانين مفصلة، وأن المظالم التى كانت تقع قديما دون تخوف والتى كان المتفردون بالسلطان يأتونها من غير مبالاة، خفت كثيرا، فبعد أن كانت سيلا جارفا أصبحت رشاشا متناثرا، وأصبحت تقع مكروهة مستنكرة. وقد يفلت مرتكبوها من العقوبة، وقد يقعون تحت طائلة القانون .. ولسنا نزعم أن هذه الدساتير الموضوعة والقوانين المرسومة هى التى ضمنت للجماهير حياة العزة والعافية، وأنهم كانوا قبلها نهب التسلط والعدوان، فقد يقع الظلم مع قيامة القانون، وقد تتحقق العدالة في مجتمع يعتمد على التقاليد الفاضلة. يوم كان الأنبياء .. والحواريون، والقديسون، والخلفاء الراشدون، يحكمون الأمم!، توفر للناس جو من العدل والمساواة وحماية الحقوق والانتصار للضعاف لا يوجد له إلى يوم الناس هذا شبيه، مع قلة الدساتير التى كانت تنظم العلاقة بين الحاكم والمحكوم على النحو المفصل المعروف الآن بيننا. وربما لا يوجد هذا الصنف الكريم من الحكام الملهمين إلا أن تسوق الأقدار الطيبة إلى الأمم ملوكا من ذوى القلوب الكبيرة والأفئدة الرحيمة يحكمون رعاياهم بالقسط ويجهدون في سبيل نفعهم وإنصافهم .. إلا أن هؤلاء وأولئك كانوا في تاريخ الإنسانية كالواحات الظليلة في الصحراء المحرقة، وذهبت أيامهم القليلة بما حوت من خير وبر، ثم تطاولت العصور على الأمم وهى ناصبة لاغبة، تخرج من ظلمة لتدخل في أخرى، وتقوم من كبوة لتسقط في 062

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت