فإذا عرفنا من دستورنا الأصيل أن الحكم أمانة لا يحملها إلا أكفأ مسلم، وأن الزعامة لا تورث، وأن التفكير في توريثها جر على المسلمين قديما شرا مستطيرا، وأنه في عصرنا هذا شغل الأغبياء القاعدين وأمل الأدعياء الفاشلين تعلمنا أن نضع زمامنا حيث يجب أن يوضع، أى في أيدى المسلمين المشهورين بالنبوغ والذكاء لا بالآباء والأسماء. ذلك وما نحن بصدده شىء آخر، غير توريث الملك الذى أقرته الدساتير الحديثة في الشرق والغرب، فإن هذه الدساتير فصلت بين الملك والحكم، وجعلت الرجل الذى يلام ويثاب خاضعا لمبدأ الاختيار المطلق الذى أوضحناه.
إن الطريق التى سلكها الحكام الفجرة قديما وحديثا متشابهة، لأن طبيعة الغشم التى يصدرون عنها واحدة وإن اختلفت الأعصار والأديان. إنهم يقسمون الأمة أحزابا، ثم يضربون حزبا بحزب، ويفرقونها شيعا ثم يسلطون شيعة على أخرى. كذلك فعل فرعون لما تأله في مصر:"إن فرعون علا في الأرض وجعل أهلها شيعا يستضعف طائفة منهم يذبح أبناءهم ويستحيي نساءهم إنه كان من المفسدين". والأمة التى تقع في هذه المآسى لا تظفر بعهود طويلة من الحرية والأمان بل سرعان ما تقع فريسة غيرها، لأن مناعتها الخاصة ذابت في أتون المظالم التي جاءتها من داخلها، أى من نفسها!. وانقسام الأمة شيعا على هذا النحو يساوى في خطورته الصواعق التى تنقض من السماء أو الزلازل التى تندك بها الأرض فهو مصدر لتقويض العمران وضياع العزة 184