هذه خلاصة بحث ألقيته دروسا على فريق من الذين اعتقلوا معى في منفى الطور منذ سنوات، وقد أحرقت أصوله الأولى في الهجمات التى كان يشنها علينا قائد المعسكر للإرهاب والإذلال، وحسبت أن الأحوال التى أوحت بخوض هذا البحث قد انتهت بالإفراج عنا، وأنى إذا عدت إلى تحريره فسيكون بحثا علميا مجردا من الملابسات الأسيفة التى بدأ فيها. وكنت في هذا الزعم واهما! كانت ذكريات المنفى أعمق من أن تمحى وعودة الغيوم إلى آفاقنا أسرع مما نتصور!. وهل انجلت يوما حتى يقال: إنها عادت؟. إن بلاد الإسلام في هذا العصر - وفى العصور القريبة السابقة - تحمل كفلين من العذاب: أحدهما من وطأة الغرب المعسكر بقواته الكثيفة من المحيط إلى المحيط، والآخر من غدر الحكام المشايعين له، ومن أوضاعهم الملفقة وفسادهم العريض. احتلال مزدوج ضاقت الأمة به ذرعا، وأضناها أنها ما تنتهى من صراع أحدهما حتى يأخذ الآخر بخناقها، والغريب أنه في الأقطار الإسلامية التى لم يسفر الاحتلال الغربى فيها، أو التى رابط على حدودها وحبس المسلمين داخلها - كجزيرة العرب - تضاعف فيها فساد الحكم وازدادت أغلاله، كأنما كتب على المسلمين البائسين أن يحملوا قيدين حتما، فإذا لم يكن ثمة قيد أجنبى فإن الولاة الأخيار (!) كفلاء بصنع قيد .. وقيد .. !!. أما المشاهد التى عرضت لنا في السجون والمنافى فقد علمتنا ما لم نكن نعلم! وفقهنا على ضوئها معانى آيات كثيرة من الكتاب الكريم. 015