ولما كان النسيان طبيعة في شعبنا يستغلها خصومه في المكر به ومعاودة إذلاله، فإنى رأيت من واجبى أن أقض مضاجع البغاة، وأبعث في وجوههم بصيحة تحذير ترد كيدهم في نحورهم، وتبصر الضحايا الغافلين بعواقب تراخيهم وكسلهم .. وحزمت أمرى على إخراج هذا الكتاب للناس ..
وسترى أن الإسلام والاستبداد ضدان لا يلتقيان، فتعاليم الدين تنتهى بالناس إلى عبادة ربهم وحده، أما مراسيم الاستبداد فترتد بهم إلى وثنية سياسية عمياء. وقد راعنى أن أجد كثرة كبرى من الرجال العاملين في الجبهة الإسلامية مذهولين عن إدراك هذه الحقيقة الخطيرة، وهم حين يدعون إلى الإسلام ينسون ما أفاده العالم من تجارب في صراعه للحكام الظلمة الذين أساءوا إليه، وعلموه أن يحدد علائقه بهم في دساتير مضبوطة وقوانين محكمة. حقا إن الدساتير والقوانين تأتى في المحل الثانى بعد تهذيب النفس وترقية الضمير، غير أن مجيئها في المحل الثانى لا يعنى إلغاءها أو الغض من أثرها فإن القيمة الذاتية لهذه الدساتير، ونبل الفكرة التى أوحت بوضعها، وخبث المؤامرات التى حيكت لتعطيلها، وعظم الفائدة التى تتحقق من رعايتها لدين الله ولدنيا الناس معًا .. ذلك كله كان يوجب على العاملين للإسلام أن يحددوا موقفهم بإزائها - وهو موقف يستحيل أن يكون في مصلحة المستبدين، الذين يؤسسون أمجادهم على امتهان الجماهير والعبث بمصالحها، وإذا لم يسمع صوت الدين في معركة الحرية فمتى يسمع؟ وإذا لم ينطلق سهمه إلى صدور الطغاة فلمن أعده إذن؟!. لقد تتبعت أقوال طائفة من المتحدثين عن الإسلام فوجدت تصورهم لأسلوبه في الحكم غامضا، وآذانى أشد من ذلك أنهم وقفوا مكتوفى الأيدى أمام الافتيات 018