فهرس الكتاب

الصفحة 193 من 212

نعمة عليه، لأنه يريد أن يمتن على الناس أجمعين، لا أن يتطامن إلى صنيع ذى فضل!. وقد تحول الملوك العباسيون إلى الترك بعد أن نفر الفرس منهم - لأن صلتهم بالعرب واهية من قديم - بيد أن هذا التحول كان علاجا للمرض بمرض آخر، فلم تزدد الدولة إلا اضطرابا وانقساما. ولو عادوا إلى دائرة الإسلام الواسعة، حيث تذوب الأجناس والألوان لكان خيرا لهم وأشد تثبيتا. وكيف يعودون إليه وقد قاموا وقام سواهم على كره منه؟.

كان حظ الإسلام في ميدان العلم أفضل منه في ميدان الحكم، فقد وجد في عصوره الأولى علماء كثيرين يستمسكون به ويخلصون له، ويصورون للناس عقائده ويشرحون مبادئه، ويورثون الأجيال المقبلة أسس الدين من كتاب وسنة. ومن هذا التعريف الجيد للإسلام والنقل الدقيق لأصوله والنشر الواسع لحقائقه، استمد الإسلام بقاءه ونماءه، في بلاده نفسها، وفيما تجاوز إليه من مشارق الأرض ومغاربها، ولو وكلت حماية الإسلام لحكامه لضاع من أمد بعيد، إذ كان أكثرهم ولاة متغلبين، لم ترشحهم كفاياتهم للمناصب التى نالوها، بل رشحتهم القوى والأهواء، وهيهات أن يخدم مبدأ ما بإتقان وبراعة رجل ليست له قدم راسخة وعرق أصيل. وإنك لتلحظ في ميدان العلم اختفاء النزعات العنصرية السمحة، فشراح القرآن وحفظة السنن، والباحثون في اللغة، والمبرزون في شتى الفنون تنميهم أجناس عديدة، وتذوب في بيئتهم هذه الفوارق فلا يحس بها أحد!. وميدان العلم لا يسبق فيه إلا كفء، فلا مكان فيه لتوارث الزعامات وتخطف 196

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت