واتباعا لوساوس هذا الهوى ضاعت تقاليد النبوة في الحكم، ولم تقم بدلها تقاليد تدانيها وتتشبه بها، بل حلت مكانها تقاليد الحكم في بلاد كسرى وقيصر وفرعون، وخرست الألسنة التى تشير إلى هذه السنن الدارسة، فإذا تسلى بها القصاص يوما، سلكت مع الخرافات البعيدة في سياق واحد، فما يفكر أحد أن يؤدب بها حكام العرب والعجم والترك. وظل الأمر كذلك حتى طلع من المغرب شعاع يلقى ضوءًا عليها، ويذكر الناس بنفاستها، وبدأ ذلك من يوم هاجت الشعوب على جلاديها وأخمدت أنفاسهم ووضعت دساتير الحرية والإخاء والمساواة. أما قبل ذلك في بلادنا، فإن تقاليد الحكم كانت تنتسب- كما أسلفنا- إلى سياسة كسرى وقيصر وفرعون، ولم يكن عليها بتة طابع رسول الله صلَّى الله عليه وسلم في التقوى والورع والعفاف.
وقد أجمع أئمة المسلمين على أن تقاليد الإسلام في الحكم قد تحولت عن مجراها الرشيد على عهد معاوية وأسرته ثم التاث أمر الدين واضطربت مصالح الناس ووجد من حكام المسلمين من سبق ملوك الكفر في سكرتهم وعمايتهم، وذلك من سوء حظ البشر قبل أن يكون من سوء حظ المسلمين أنفسهم. وحكم الإسلام في دفع أولئك الجبارين لا يحتاج إلى مزيد من البيان والتكرار. وإن المؤرخ المسلم لتدركه الحيرة في بعد الشقة بين تعاليم وتقاليد حكامه في القرون الأولى. في سنة 248 هـ خلع المنتصر بالله أخويه المعتز وإبراهيم من ولاية العهد من بعده، وقد كان أبوهم المتوكل على الله قد أخذ لهم العهد في كتب كتبها وشروط 049