فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 212

وقد كان الفراعنة والأكاسرة والقياصرة في القرون الأولى يستهلكون أقوات الأمم في مباذلهم وملاهيهم، فلما أسس محمد بن عبد الله صلَّى الله عليه وسلم الدولة الإسلامية الأولى كان مسلكه يناقض أتم المناقضة مسلك أولئك الجبارين من لصوص الشعوب. عن عمر قال:"دخلت على النبى صلَّى الله عليه وسلم وهو على حصير قال: فجلست، فإذا عليه إزاره، وليس عليه غيره، وإذا الحصير قد أثر في جنبه، وإذا أنا بقبضة من شعير نحو الصاع، وقرظ في ناحية من الغرفة، وإذا إهاب معلق، فابتدرت عيناى .. فقال: ما يبكيك يا ابن الخطاب؟ فقلت: يا نبى الله .. وما لى لا أبكى؟ وهذا الحصير قد أثر في جنبك وهذه خزانتك لا أرى فيها إلا ما أرى؟ وذاك كسرى وقيصر في الثمار والأنهار- وفى رواية: على سرر الذهب وفرش الديباج والحرير- فقال: أولئك قوم عجلت لهم طيباتهم، وهى وشيكة الانقطاع، وإنا قوم أخرت لنا طيباتنا في آخرتنا". ونحن لا نطمع أن يكون الحكام على هذا النحو الرفيع من الطاقة على حمل أعباء الحياة العامة، وأعباء التقشف والزهادة في طيبات الحياة. وما نكلفهم أن يناموا على حصير تنطبع تعاريجه الخشنة في الجلود الغضة. ولكننا نتساءل: إذا عز المثل الأعلى على امرئ تحول عنه إلى مثل السوء؟. وإذا لم يقدر الحاكم أن يسير سيرة الأمجاد قرر أن يسير سيرة الأنذال؟. لماذا لا نسدد ونقارب كما علمنا الرسول صلَّى الله عليه وسلم نفسه؟. لكن المؤسف أن حكام المسلمين في كثير من الأزمنة رأوا أن الرسول صلَّى الله عليه وسلم وخلفاءه الراشدين ترفعوا عن بعض المباحات، فحسبوا- لهممهم الساقطة-، أن تلك تقاليد زمن ولى وعهد فات، وأن طبيعة الحياة أقهر لطبيعة الدين ورجاله الأولين، وعلى ذلك قرروا أن يتوسعوا في المباحات- لا- .. بل أن يملئوا البطون سحتا .. وصدق فيهم قول النبى صلَّى الله عليه وسلم:"سيخرج في أمتى أقوام تتجارى بهم الأهواء كما يتجارى الكلب بصاحبه، لا يبقى منه عرق ولا مفصل إلا دخله". 048

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت