هذا الكتاب من أخطر الكتب التى تناولت الاستبداد السياسى دراسة واقعية معاصرة جريئة امتزجت بالأسانيد الشرعية والمرويات التاريخية .. وليست قوة الكتاب فيما احتوى من معلومات فهذه ليست غريبة أو بعيدة عن مقدرة الشيخ الغزالى وإنما مكمن قوته في جرأته البالغة في توجيه صفعة شديدة للطغيان في وقت كان السجن والتنكيل مصير رائدى الأقلام الحرة والضمائر الصاحية .. وكانت الرقابة على الصحف والكتب توءد بحياة الأحرار والشرفاء وتقصف بأقلامهم. وقد يصيبنا العجز في التأريخ لتلك الفترة التى ظهر فيها الكتاب لأننا لم نعاصرها، ولكن جدير بنا أن نقرأ ما كتبه الشيخ يوسف القرضاوى عن تلك المرحلة الصعبة وما عاصرها من أحداث جسام.".. جاءت محنة ديسمبر 1948 م، حين صدر قرار حل جماعة الإخوان، ومصادرة ممتلكاتها، والتنكيل بأعضائها، واعتقال عدد كبير منهم، وانتهى الأمر باغتيال الحكومة جهرة لمؤسس الجماعة ومرشدها الأول الإمام حسن البنا. وكان مما قدر الله لى أن أكون من المعتقلين في تلك المحنة التى أحالها الله منحة، وأنا طالب في السنة الخامسة الثانوية بمعهد طنطا الدينى، وقد حجزت أكثر من شهر فى (سجن) القسم الأول للشرطة في مدينة طنطا، مع مجموعة من الإخوة الزملاء، ثم رحلنا إلى معتقل (الهايكستب) فترة قصيرة، ومنه إلى معتقل (الطور) فى سيناء، حيث ركبنا الباخرة (عايدة) من السويس مجتازين خليج السويس إلى مقامنا الجديد في الطور. ولا زلت أذكر تلك اللحظة التى هاج فيها ركاب الباخرة لسبب ما، وحدث شىء من الهرج والمرج، وكاد يفلت الزمام، فإذا شاب قصير القامة، مشرق الوجه، يلبس ثوبا أبيض، حاسر الرأس، يتوقد ذكاء وحيوية، يخاطب الركاب في حزم: أيها الإخوة، يجب أن نضبط أنفسنا، حتى نصل إلى مستقرنا الجديد، في أرض انطلقت منها شرارة الوحى المقدس، لتحرير أمة مستعبدة، من طغيان المتألهين في الأرض "