وقد لاحظت أنه حين بدأ كلامه، صمت الجميع كأن على رءوسهم الطير، ولم يكد يتم كلمته الموجزة، حتى ساد الهدوء، وسار المركب في أمان، وكأن شيئا لم يكن! قلت لبعض الإخوة من أهل القاهرة: من هذا المتكلم؟ قالوا: ألا تعرفه؟ إنه الشيخ محمد الغزالى!. كم كانت فرحتى غامرة بتلك اللحظة السعيدة. لقد لقيت الرجل الذى أحببته عن بعد، فها هو اليوم منى غير بعيد. وشاء الله أن نوزع على أقسام معتقل الطور، فأكون من القسم الذى فيه الغزالى، وكان يسمى (الحذا) . وكان حذانا رقم (1) . فها أنذا ألتقى به صباح مساء. كان الشيخ الغزالى إمامنا في الصلوات، وخطيبنا في الجمعة، ومدرسنا في الحلقات، مع أخيه ورفيقه العالم الفقيه الشيخ سيد سابق، كان يصلى بنا الصلوات الخمس، ويقنت بنا قنوت النوازل، وكان من دعائه في هذا القنوت:"اللهم أفكك بقوتك أسرنا، وأجبر برحمتك كسرنا، وتول بعنايتك أمرنا، اللهم استر عوراتنا، وآمن روعاتنا، اللهم عليك بالظالمين"!. وكان الشيخ يلقى علينا محاضرات في موقف الإسلام من استبداد الحكام، كانت نواة الكتاب الذى أصدره بعد الخروج من المعتقل، وهو: (الإسلام والاستبداد السياسى) . ومما لا ينسى: أن الإخوان كانوا قد اختاروا مسئولا عنهم، كما هى سنة الإسلام:"إذا كنتم ثلاثة فأمِّروا أحدكم"، وكان هو أستاذنا الداعية الكبير البهى الخولى، صاحب (تذكرة الدعاة) ، وغيرها من الكتب الأصيلة - رحمه الله - وجزاه عن الدعوة خيرًا. ولكن الأستاذ البهى قد استدعى إلى القاهرة، حيث وجه إليه اتهام في قضية تتعلق بالنظام الخاص. فاجتمعت كلمة الإخوان على اختيار الشيخ الغزالى قائدا لهم داخل المعتقل، برغم أن في المعتقلين من هو أكبر منه سنًا. وفى تلك الآونة، كان العسكريون الذين يحكمون المعتقل يأكلون حق المعتقلين، من الأطعمة الجافة و (المعلبات) التى تصرف لهم وباسمهم من الدولة. 005