وكان هولاء يحسبون أن المعتقلين أسرى تحت أيديهم ولا يملكون أن يقولوا: لِمَ؟ بَلْه أن يقولوا: لا. ولكن الشيخ الغزالى خطب الجمعة، فألهب العواطف، وفجر بركان الثورة على هذا الظلم البين، وهذه السرقة العلنية، متحديا أولئك الطغاة المتمردين على عدل الله، معلنا الحرب على ذلك الثنائى الدنس، المتمثل في الفرعونية الحاكمة بأمرها في بلاد الله، والقارونية الكانزة لمال الله عن عباد الله. وما إن قضيت الصلاة، حتى قاد الشيخ مظاهرة تندد بالظلم وتعلن العصيان وتملأ هتافاتها الفضاء: تسقط اللصوصية المنظمة! تسقط سياسة التجويع!!. وكانت مفاجأة للعسكر حكام المعتقل، فلم يملكوا إلا أن يرضخوا لمطالب المعتقلين في تسليمهم المقررات الجافة من الأطعمة ليتولوا هم طبخها وتوزيعها بمعرفتهم. وظللنا مدة لم تطل بمعتقل الطور، ثم فوجئنا بأن نودى علينا نحن طلاب المرحلة الثانوية، لينقلونا إلى معتقل (هايكستب) ، قريبا من القاهرة، وقد قيل: إن ذلك تمهيد للإفراج عنا. وما كان هذا بالشىء الذى سررنا به أو هششنا له، فقد كنا لا نريد فراق إخواننا بالطور، وعلى رأسهم الشيخ الغزالى .. .. وفى أواخر شهر رمضان، أذن الله بسقوط وزارة الطاغية الأثيم إبراهيم عبد الهادى، وبدأت الإفراجات، وكنت في أوائل من أفرج عنهم، ولم يشب فرحة الإفراج عندى إلا البعد عن الشيخ الغزالى .. ! .. وبعد الإفراج عنهم تقابل الدكتور القرضاوى مع الشيخ الغزالى عن قرب، فقال:".. وقد وجدنا الشيخ الذى يشتد ويحتد في نزاله الفكرى، فيهدر كالموج، ويقصف كالرعد، ويزأر كالليث، حتى إنك لتحسبه في بعض ما يكتب مقاتلا في معركة، لا مجادلا في قضية، وتحسب القلم الذى في يده، السيف أو الرمح في يد ابن الوليد! وجدناهـ عن كثب- إنسانا رقيق القلب، قريب الدمعة، نقى السريرة، صافى الروح، حلو المعشر، رضى الخلق، باسم الثغر، موطأ الأكناف، عذب الحديث، سريع النكتة، بسيطا متواضعا، هينا لينا، بعيدا عن 006"